تفاصيل المقال

مقارنة بين اللغة عند الانسان والتواصل عند الحيوانات:

بقلم

يوسف البسط

التاريخ

الفرق بين اللغة عند الانسان والتواصل عند الحيوانات:

من الواضح أن جميع  الحيوانات تقريبا تستطيع التواصل فيما بينها، بمعنى أنها تستطيع نقل معلومات إلى بعضها البعض، بواسطة مجموعة من الإشارات بعضها بصري يعتمد على حركات الجسد كالرقص والتكشير عن الأنياب وانتفاخ الجسم، وبسط الأذنين أو خفضهما، واتساع حدقة العين، وبعضها صوتي يكون على شكل أصوات تصدرها الحيوانات للتعبير عن الخوف والجوع والتحذير وغيرها كنباح الكلاب، وزئير الأسود، هذه وسائل اتصال بسيطة، وهناك أنظمة اتصال أكثر تعقيدا في مملكة الحيوانات تتوفر  أحيانا على كثير من السمات الستة عشر التي وضعها “هوكيت” للغة، خاصة عند القردة العليا وبعض الطيور، فهل يمكن وصف هذه الإشارات وأنظمة التواصل المعقدة عند هذه الحيوانات باللغة؟

يعتقد الكثيرون بأن بعض الحيوانات على الأقل تمتلك لغة ويسمون الإشارات التي تتواصل بها هذه الكائنات تجاوزا بلغة الحيوان، وهم بذلك يخلطون بين اللغة والتواصل ويستعملونهما بنفس المعنى، ولكن الحقيقة أن اللغة تختلف اختلافا جوهريا عن التواصل كما بينا ذلك سابقا، ولتحديد ما إذا كان التواصل المستعمل بين الحيوانات لغة سنعتمد تعريف “شارلز هوكيت” والسمات التي ذكرها كمميز للغة.

تتميز اللغة في نظر “شارلز هوكيت” بعدد من الصفات جمعها في ستة عشر صفة سبق ذكرها جميعا، معظم هذه الصفات مشتركة إلى حد ما مع أنظمة التواصل عند الحيوانات، وبالتالي فإن توافر هذه السمات جميعها هو ما يميز اللغة البشرية عن الأنظمة التي تتواصل بها باقي الكائنات.

سنقتصر هنا على السمات الأكثر تمييزا للغة الإنسانية ونقارنها بالتواصل عند الحيوانات، خاصة المذكورة سابقا.

نبدأ بأول هذه الصفات والسمات وهي أن اللغة قناة صوتية وسمعية Vocal-Auditory chennel، وهذا يعني أن أصوات اللغة يتم إنتاجها بواسطة أعضاء النطق ويتم استقبالها عبر جهاز السمع، من الواضح أن هذه السمة لا تقتصر على اللغة الإنسانية وأن الكثير من الحيوانات تستعمل الأصوات المنطوقة للتواصل، كما أن هذه الصفة ليست ذات أهمية كبرى فاللغة لا تكون دائما منطوقة ومسموعة كما هو الشأن بالنسبة للغة الإشارة أو لغة براين الملموسة أو اللغة المكتوبة.

إلا أن ما يمكن ملاحظته بالنسبة لهذه الصفة هو أنه رغم ما لوحظ عند الحيوانات من استعمال للأصوات المنطوقة في التواصل إلا أنها لا ترقى إلى درجة اللغة، حيث تكون غالبا عبارة عن أصوات انفعالية فطرية من النوع البسيط المباشر التي تدل على مشاعر الخوف والألم والتودد … ورغم أن بعض الحيوانات تستطيع أن تصدر أصواتا مركبة كما الحال عند طائر القرقف الياباني الذي سبق لنا ذكره، إلا أنها تبقى محدودة جدا ومحصورة في تراكيب بسيطة ودلالات ترتبط بأساسيات البقاء ولا ترقى إلى درجة اللغة البشرية.

أما الصفة الثانية والتي يعتقد أنها خاصة باللغة البشرية فهي صفة الاعتباطية Arbitrariness والتي تشير إلى أن العلاقة بين الدال والمدلول في اللغة لا تربط بينهما أية علاقة طبيعية ملموسة بل العلاقة بينهما اعتباطية كما وضح ذلك “ديسوسير” باستثناء عبارات قليلة، أما فيما يخص نظام التواصل عند الحيوانات فمن الملاحظ عموما وجود علاقة وثيقة بين الصوت أو الإشارة المستخدمة والرسالة المراد إبلاغها، إلا أن هناك حالات نادرة تكون فيها العلاقة بين الإشارة والمدلول اعتباطية منها ما لوحظ عند “طائر النورس عندما يتعرض للتهديد من طرف طيور من نفس الفصيلة، يعبر أحيانا عن استعداده للقتال بنزع بعض الأعشاب القريبة منه وكأنه يستعملها لبناء عش فيفهم الطائر الآخر الرسالة ويتراجع”[1]، فليس هناك علاقة بين نزع الأعشاب والتعبير عن الغضب والتحذير. كذلك أصوات القردة الجنوب إفريقية Vervet Monkeys التحذيرية والتي تختلف باختلاف المفترس، لأنه لا توجد علاقة واضحة بين هذه الأصوات ونوع المفترس الذي تدل عليه[2]، لكن هذه الأمثلة تبقى محدودة جدا في عالم الحيوان.

السمة الثالثة التي سنناقشها هي الدلالية Semanticity ويقصد بها أن “لغة الإنسان تستطيع أن تشير إلى أشياء محسوسة في الواقع كما يمكنها أن تشير إلى الأفعال التي يؤديها الإنسان أو غيره… وبإمكانها التعبير عن الأفكار الذهنية المجردة، بالإضافة إلى ذلك فإن باستطاعة الإنسان أن يعمم الاسم على جميع الأشياء المشابهة في الجوهر المختلفة في التفاصيل.”[3]

من الصعب تحديد توافر صفة الدلالية في أصوات وإشارات الحيوانات، فرغم أن الباحثين استطاعوا مثلا التمييز بين صيحات مختلفة تصدرها القردة الجنوب إفريقية والتي تختلف باختلاف الفريسة كما ذكرنا سابقا، فإن هذه الصيحات تشير إلى معنى عام وهو وجود خطر أو نوع الخطر، لكنها تبقى محدودة ولا تستطيع التعبير عن اتجاه الخطر أو عدد المفترسات وغيره من المعلومات، ففي ” اللغة الإنسانية آلاف الكلمات مقارنة بالعدد المحدود جدا من الإشارات الصوتية المعبرة عند الحيوانات، وبالتالي فالإنسان يستفيد من سمة الدلالية إلى أبعد الجدود مقارنة بأي حيوان.”[4]

الصفة الرابعة هي الانزياحية Displacement: وتشير ببساطة إلى قدرة الإنسان على التعبير والاشارة والتواصل حول أشياء بعيدة عن اللحظة والحاضر في الزمان والمكان، فاللغة تمكن الإنسان من التواصل حول أحداث في الماضي أو المستقبل، وكذلك الأشياء القريبة والبعيدة، بل وحتى الأشياء الخيالية التي لا وجود لها بالواقع والأشياء المجردة والأفكار… فهل تمتلك أنظمة التواصل عند الحيوانات مثل هذه الصفة؟

يصعب إيجاد صفة الانزياح في التواصل الحيواني، فالقردة الجنوب إفريقية مثلا تصدر أصوات التحذير فقط عند رؤية المفترس وبالتالي فهي تعبر عن الحاضر فقط، ولا تستطيع التواصل حول حدث في الماضي، كرؤية مفترس البارحة أو قبل ثلاث ساعات، ولعل المثال الوحيد الواضح على الانزياح عند الحيوانات هو ما اكتشفه العالم الأمريكي الحائز على جائزة نوبل “كارل فون فريش” حول تواصل النحل بواسطة الرقص لنقل معلومات حول مصدر ومكان الرحيق المكتشف وقد سبق لنا توضيح ذلك سابقا.

“وبالتالي فالنحل يستطيع نقل معلومات حول الاتجاه والمسافة الفاصلة بين الخلية ومصدر الرحيق المكتشف مع بقية النحل وهو مثال واضح على الانزياح.”[5] ” تعتبر هذه قدرة غير عادية، لكن مع ذلك يبقى هذا المثال على الانزياح عند النحل أقل بكثير مما نجده في لغة الإنسان فالنحلة لا تستطيع إعلام نحلات أخريات حول مفهوم خارج عن الاتجاه والمسافة بين الرحيق والخلية.”[6]

ننتقل الآن إلى الصفة الخامسة وهي الإنتاجية أو الإبداعية Productivity,Creativety : ونكتفي بها في المقارنة بين اللغة عند الإنسان والتواصل عند الحيوان، لقد ذكر هذه قبل “هوكيت” العالم اللساني الشهير “تشومسكي” في نظرياته اللغوية، والمقصود بهذه الصفة قدرة لغة الإنسان على الخلق والابتكار، إذ يمكن من خلال عدد محدود من الأصوات أو الفونيمات توليد مئات الآلاف من الكلمات ومن خلال هذه الكلمات يمكن توليد عدد لا محدود من الجمل والعبارات وفهما، حتى ولو لم يسبق سماعها من قبل، وبالتالي فإن اللغة تمتاز بقدرة جبارة على الخلق والابتكار عكس كل أنظمة التواصل المكتشفة عند الحيوانات، فمن خلال أنظمة التواصل التي تطرقنا إليها سابقا يتبين  بأنها تمتلك عددا محدودا جدا من الإشارات تدل على عدد محدود من المعاني والدلالات، “فالقرد الجنوب إفريقي Vervet monkey يمتلك فقط ستة وثلاثين إشارة صوتية مميزة في قاموس إشارته.”[7]

أما بالنسبة للنحل فقد أجرى “فريش” تجربة كانت نتائجها مخيبة للآمال فيما يخص صفة الابداعية عند هذه الكائنات، حاول” فريش” من خلال هذه التجربة أن يعرف ما إذا كان باستطاعة النحل نقل معان جديدة تتعلق بعلو مصدر الطعام، بعد أن وضعه في مكان عال، بينما وضع الخلية في الأسفل وجعل بضع نحلات تتعرف على هذا المصدر لتنقل المعلومة إلى بقية الخلية، لكن النحل لم يستطع العثور على هذا المصدر، رغم تلقيه المعلومات.[8] استنتج “فون فريش” من خلال هذه التجربة بأن ” النحل لا يملك كلمات تعبر عن مفهوم أعلى أو فوق في نظام تواصله، لا توجد أزهار في أعلى السحاب.”[9]

إن عدم قدرة النحل على ابتكار إشارة جديدة للتعبير عن هذا المفهوم الجديد يبين أنها تفتقر إلى صفة الإنتاجية التي تتميز بها اللغة عند الانسان.

وكانت النتائج مخيبة كذلك في التجارب التي تم إجراؤها على الدلافين[10]، والشيء نفسه ينطبق على أصوات الطيور، فرغم أن بعضها يستطيع تركيب الأصوات بما يشبه تركيب الإنسان للفونيمات على شكل كلمات كما أشرنا إلى ذلك سابقا عند طائر القرقف الياباني، لكن الباحثين ” يؤكدون أن أصوات الطيور تعبر فقط عن أشياء محددة جدا ترتبط بالتزاوج والدفاع عن حدود المنطقة.”[11]

نستخلص من كل ما سبق بأن أنظمة التواصل عند الحيوانات قد تتوفر فيها بعض الصفات التي ذكرها “هوكيت” لكنها طبعا لا ترقى إلى المستوى الذي يوجد في لغة الإنسان، فتواصل النحل قد يعبر عن الانزياحية، وأصوات القردة وحركات النورس قد تكون أحيانا اعتباطية، بينما قد تتصف أصوات طائر القرقف الياباني وبعض الطيور الأخرى بصفة Discreteness إذ تستطيع تركيب الأصوات والتمييز بينها في عملية التواصل فيما بينها. لكن وخلافا للغة الإنسان لا يوجد في مملكة الحيوانات نظام تواصل يتوفر على جميع الصفات التي ذكرها “هوكيت”، فالنحل مثلا لا يستطيع استعمال الأصوات المنطوقة ولا يستطيع ابتكار إشارات جديدة، وكذلك القردة لا تستطيع ابتكار وخلق أصوات جديدة للتعبير عن مفترسات جديدة أو حتى لتقديم معلومات دقيقة عنها، كما أنها لا تستطيع التواصل حول أحداث في الماضي أو المستقبل أو عن أفكار مجردة، ونفس الأمر ينطبق على الطيور والدلافين وغيرها، وبالتالي وإجابة على السؤال السابق، لا يمكن أن نصف أنظمة التواصل عند الحيوانات باللغة، لأنها ببساطة لا ترقى إلى درجة لغة الإنسان وتبقى أبسط منها بكثير.

لائحة المصادر والمراجع:

[1] Child Language Acquisition and Development, Matthew Saxton, 2nd edition, 2017, Sage Publication LTD, London, p :56.

[2] Understanding Language Acquisition, Caroline Rowland, Routledge, New York, USA, 2014, p:11.

[3] أضواء على الدراسات اللغوية المعاصرة، د. نايف خرما، عالم المعرفة، العدد 9، شتنبر 1978، ص:121.

[4]Child Language Acquisition and Development, Matthew Saxton, 2nd edition, 2017, Sage Publication LTD, London, P:57.

[5] المرجع السابق، ص:59.

[6] The Articulate Mammal: An introduction to psycholinguistics, Jean Aitchison, Routledge 2011, New York, p :44.

[7] المرجع نفسه، ص:46.

[8] The Articulate Mammal: An introduction to psycholinguistics, Jean Aitchison, Routledge 2011, New York, p :124.

[9] The dancing bees: An account of the life and senses of the honeybee (translated by D. Ilse), von Frisch, K. (1954), London: Methuen, p: 139.

[10] أضواء على الدراسات اللغوية المعاصرة، د. نايف خرما، عالم المعرفة، العدد 9، شتنبر 1978، ص:125.

[11] The Articulate Mammal: An introduction to psycholinguistics, Jean Aitchison, Routledge 2011, New York, p:48.

"إذا كانت الحيوانات تمتلك أنظمة للتواصل فيما بينها، لكنها لا ترقى إلى درجة اللغة، فربما هذا راجع إلى عدم تعرضها للغة، أو بسبب أنها لم تتح لها الفرصة لتعلم اللغة. إذا كان الأمر كذلك فهل نستطيع تعليم الحيوانات اللغة؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه في مقالة جديدة تجدها في الأسفل"