محاولات تعليم الحيوانات اللغة؟ هل تستطيع الحيوان التكلم واكتساب اللغة؟

لقد حاول الباحثون عبر عقود خلال القرن السابق (القرن العشرين) تعليم اللغة للحيوانات وخاصة الأنواع التي أبدت نوعا عاليا من الذكاء وقدرات عالية في التواصل سواء الصوتي أو الحركي المعتمد على الإشارات، لذلك فقد حاول باحثون كثر تعليم عدد من هذه الحيوانات اللغة الإنسانية، فمنهم من حاول تعليم القردة وخاصة الشمبانزي، وبعضهم حاول مع الطيور كالببغاء، والبعض الآخر حاول مع الكلاب كونها أكثر الحيوانات ارتباطا واتصالا بالإنسان وتعيش معه في نفس البيئة، وفيما يلي أهم التجارب التي تمت في هذا المجال.

لعل أكثر المحاولات تمت على القردة العليا مثل الشمبانزي والغوريلا والأورانغوتان لما يوجد من تقارب بينها وبين الإنسان، فبدءا من سنة 1931 وإلى نهاية القرن الماضي تم إجراء عدة محاولات من هذا النوع بدءا بشمبانزي اسمها “جوا Gua” التي تم تبنيها وتربيتها كطفلة بشرية من طرف “وينتروب وليولا كيلوج Winthrop and Luela Kellog” عنما كانت تبلغ من العمر سبعة أشهر. وفيما يلي أهم المحاولات التي تمت على القردة:

أول محاولات تعليم القردة اللغة تمت على أنثى شمبانزي سنة 1931 تم تبنيها من طرف كل من “Luella and Winthdrop Kellog” عندما كانت تبلغ من العمر سبعة أشهر، وقد حاولا تربيتها كطفلة بشرية مع ابنهما حتى تتعرض إلى اللغة بطريقة طبيعية وبالتالي التمكن من التواصل اللغوي كما يفعل البشر وإصدار الكلام باستعمال جهاز التصويت، لكن هذه المحاولة باءت بالفشل.[1]   فقد تبين فيما بعد بأن الجهاز الصوتي عند الشمبانزي والقردة بصفة عامة يختلف عما عند الإنسان، فحجم اللسان وزاوية مرور الهواء عبر الحلق ومكان تموضع الحنجرة، كلها تجعل محاولات الشمبانزي الكلام مستحيلة[2]، ” فرغم أن “جوا” استطاعت فهم معنى ما يزيد عن سبعين كلمة لم تستطع أبدا الكلام أو استعمال شفاهها ولسانها وفمها لإنتاج أصوات جديدة غير أصواتها الطبيعية عكس الطفل “دونالد” المتبنى من طرف نفس العائلة والذي أحضر إلى البيت تقريبا في نفس عمر “جوا” واستطاع تعلم اللغة والكلام بصورة طبيعة وأصبح تطوره اللغوي ونطقه للأصوات سريعا جدا بعد السنة الأولى من عمره”[3].

التجربة الثانية لمحاولة تعليم الشمبانزي الكلام قام بها “كيث وكاثي هايز” “Keith and Cathy Hayes” سنة 1947 على شمبانزي صغيرة أحضراها إلى البيت للعيش معهما وسمياها “فيكي Viki “، وقام الزوجان بتدريبها تدريبا مكثفا على مجموعة من المهارات ومنها اللغة خلال ثلاث سنوات، وكانت النتيجة أنها أصبحت قادرة على فهم عدد من الكلمات واستطاعت في النهاية نطق أربع كلمات فقط بصورة خافتة وغير واضحة لكنها مفهومة، هذه الكلمات هي: “mama, papa, cup, up” .[4]

  بعد فشل محاولات تعليم القردة اللغة المنطوقة اتجهت المحاولات إلى نوع جديد من اللغة وهي لغة الإشارة بما أن القردة العليا قد بينت قدرتها على التواصل فيما بينها باستعمال الإشارات.

وأول هذه المحاولات قام بها الباحث الأمريكي “Beatrix Gardner” وزوجته “Allen” على أنثى شمبانزي ولدت تقريبا سنة 1965، وتمت تربيتها من طرف هذين الزوجين اللذان حاولا تعليمها لغة إشارات معدلة عن لغة الإشارات الخاصة بالصم والبكم[5]، في هذه اللغة تعوض الكلمات بإشارات تدل عليها، فالإشارة الدالة على كلمة “حلو” تكون بوضع إصبع السبابة على طرف اللسان مع تحريكه.[6]

لقد ارتأى الباحثان تعليم قردة الشمبانزي “واشوا” لغة الإشارة بطريقة طبيعية، وذلك عن طريق التواصل معها أو من طرف الباحثين أو بعض طلابهما فيما بينهم بهذه اللغة أثناء تواجدها.

لقد كان تطور اللغة عند “واشوا” في المراحل الأولى بطيئا شبيها بما يحدث للطفل العادي، فقد اكتسبت حوالي أربعة وثلاثين مفردة بعد واحد وعشرين شهرا، لكن هذا العدد بدأ يتزايد بسرعة حتى وصل إلى 132 إشارة بعد أربع سنوات من التدريب.[7]

“ولكن الأهم من اكتساب المفردات هو توافر الميزات الخاصة بلغة البشر في لغة “واشوا” فقد ذكرنا إحدى تلك الميزات وهي دلالة الكلمة على شيء أو فعل معين وقد لوحظ أن لغة “واشوا” تتمتع بهذه الخاصية”.[8] ومن الأمثلة التي تؤكد ذلك هو أنها رأت بالصدفة في أحد الأيام مجموعة من فراشي الأسنان في البيت فقامت بإشارة فرك الأسنان بسبابة اليد، كما أن إشاراتها اتصفت بصفة أخرى وهي القدرة على التعميم Generalization ومثال ذلك استعمالها الإشارة الدالة على المفتاح للإشارة إلى أنواع مختلفة من المفاتيح.[9]

غير أن أهم صفة من صفات اللغة الإنسانية التي امتازت بها إشارات “واشوا” ولو بصورة بسيطة ومحدودة، هي القدرة على الخلق والابتكار Productivity or creativity، فقد استطاعت استعمال عدة إشارات مركبة من مفردتين وثلاث تدل على معان مختلفة مثل: “تعال ودغدغني” و “افتح الثلاجة” و “أسرع وأعطني فرشاة الأسنان” وغيرها.

بعد المحاولات الأولى الفاشلة لتعليم القردة العليا اللغة المنطوقة والمحاولات التي تلتها لتعليمها لغة الإشارات المعدلة عن لغة الصم والبكم والتي بدورها لم تعطي نتائج واعدة، انتقل الباحثون إلى تجربة طريقة جديدة في تعليم الرئيسيات اللغة وهي الاعتماد على رموز مرئية تسمى “الليكسيكرام Lexigrams” والتي يمثل فيها كل رمز كلمة كاملة ونجدة في اللغة الصينية عكس ما نجده في لغات أخرى كالإنجليزية أو العربية، حيث تتكون الكلمات من عدة وحدات صوتية.

في هذه الطريقة يتم  وضع مجموعة من الرموز على لوحة إلكترونية، يشير فيها كل رمز إلى كلمة معينة، وعندما يقوم الشمبانزي بلمس أحد الرموز يقوم محاكي صوتي مبرمج بنطق هذه الكلمة بصت مرتفع[10]، أعظم نجاح حقق في هذا النوع من التجارب كان مع نوع من قردة الشمبانزي يسمى “البونوبو”، التي تتميز بذكائها وبعض حركاتها التي تشبه حركات الإنسان، وبأرجلها الطويلة ورأسها الأصغر من باقي الأنواع الأخرى.

إن أهم تجربة قام بها الباحثون مع هذا النوع من قردة الشمبانزي كان مع ذكر “البونوبو” المسمى “كانزي” الذي ولد سنة 1980، وتم إحضاره إلى مركز الأبحاث الذي كانت تجرى فيه تجارب مماثلة على أنثى من نفس النوع تسمى “لانا Lana” وأخرى تسمى “ماتاتا Matata” التي أبدت رغبة كبيرة في الاهتمام ب”كانزي” وأصبحت كأم له بالتبني.[11]

لقد بدأ كانزي في مشاهدة الرموز على الشاشة ابتداء من الشهر السادس من عمره أثناء تدريب وتعليم أمه بالتبني والتي وصلت عامها الرابع من التدريب دون نتائج تذكر، إلا أن كانزي أبدى تجاوبا أفضل أثناء جلسات تدريب أمه، لذلك تحول اهتمام الباحثين إليه،  حيث تعلم حوالي خمسين رمزا خلال ثمانية عشر شهرا الأولى من تدريبه، بل وبدأ بجمع هذه الكلمات بشكل عفوي، وبعمر السنتين بدأ يظهر إشارات تدل على فهمه كلمات الإنسان الموجهة إليه، وبعمر السنتين ونصف بدأ باستعمال شاشة الرموز للتواصل مع الإنسان.[12]

لقد حاول الباحثون جعل كانزي يتعلم اللغة بصورة طبيعية، عن طريق التواصل معه بصورة تبدو طبيعية كما هو الشأن بالنسبة إلى طفل بشري، ففي كل يوم كان يقوم مقدمو الرعاية في المختبر بجولة مع كانزي في الغابة المجاورة حاملين معهم لوحة الرموز للتواصل معه، بينما كان يقضي باقي الأوقات في اللعب أو في المطبخ أو في مشاهدة التلفاز، بينما يحاول مقدمو الرعاية التواصل معه بصورة طبيعية حول المواضيع اليومية التي تثير اهتمامه مثل إيجاد الطعام باستعمال اللوحة ليتمكنوا من الإشارة إلى الرمز الذي يدل على الكلمات المستعملة من قبلهم، وحتى يتمكن “كانزي” أيضا من الإشارة إلى هذه الرموز للإجابة والتواصل.[13]

عندما بلغ “كانزي” الخامسة من عمره استطاع استعمال ما يقارب من مئة رمز، فقد أصبح يتعلم الكلمات بصورة أسرع، بل وبدأ بجمع الكلمات معا في صورة تراكيب بسيطة، “فمثلا عندما يقول كلمة “فول سوداني” مع الفعل “خبأ” ثم ينظر إلى جيبك فهو يسأل عما إذا كنت تملك بعضا منها، وعندما يستعمل نفس الرمزين ويأخذك إلى المخزن فهو يعبر بذلك عن رغبته في الحصول على بعض الفول السوداني المخبأ هناك”.[14]

وأبلغت “سيو رامبوغ” بأن “كانزي” “استعمل رمز التوت البري strawberries على لوحة الرموز في ظروف مختلفة، فقد استعملها لطلب الذهاب إلى المكان الذي ينمو فيه هذا التوت البري، وكذلك لتمييز صورة هذه الفاكهة عندما يراها، وهو ما يبدو شبيها بالعلاقة الرمزية التي نجدها بين الكلمة والشيء أو  الدال والمدلول التي نجدها في لغة الإنسان”[15]، كما بينت الباحثة بأن كانزي أظهر نجاحا بلغ 71 في المائة في الاستجابة للأوامر الموجهة إليه باللغة الإنجليزية، أكثر من الطفلة “آليا Alia”، ونسبة نجاح بلغت 74 بالمائة في الجمل المعكوسة، بينما بلغت نسبة نجاح الطفلة 38 في المائة فقط، استنتجت من خلاله الباحثة بأن قدرة كانزي على فهم الجمل أفضل، لكن لا يجب أن ننسى بأنه أثناء التجربة كانت “آليا” تبلغ من العمر سنتين فقط بينما كان كانزي في عمر الثامنة، ولا شك أن قدرات الطفلة اللغوية عندما تصل إلى هذا العمر ستكون قد تجاوزت كانزي بدرجات كبيرة.

من خلال هذه الأبحاث والتجارب بين كانزي على أن باستطاعته فهم واستعمال عدد من الكلمات، بل وبين عن قدرته على جمع الكلمات في جمل بسيطة والتجاوب مع جمل من نفس النوع بشكل صحيح. “وقد ادعت “Sue Savage Rumbaugh” في مقال جديد لها نشر في مجلة “Scientific Press” سنة 2006 بأن كانزي يستطيع تمييز واستعمال 348 رمزا من لوحة الرموز، بل وادعت في نفس المقال بأنه يستطيع فهم ما يزيد عن 3000 كلمة إنجليزية منطوقة وهي معطيات لم يتم التأكد منها وفي الغالب تعتمد فقط على الكلمات التي تم تعريض كانزي لها”.[16]

سنة 2004 نشر كل من “كامينسكي وكال وفيشر Kaminsky, Call and Fisher” مقالا وضحوا فيه “بأن الكلب “ريكو Rico” (الذي ينتمي إلى إحدى الفصائل المتوسطة الحجم وتستعمل غالبا في حراسة ورعي الأغنام) استطاع اكتساب معاني 200 شيء، وأن بإمكانه الاحتفاظ بالمعاني التي تعلمها وتذكرها لمدة أربعة أسابيع بعد التدرب عليها، كما يستطيع التعلم والتعرف على الأشياء بواسطة تقنية الاستبعاد”[17]، وهي خاصية لوحظت أيضا عند الأطفال، بحيث إذا قدمت إلى الطفل مجموعة من الأشياء يعرف اسمها باستثناء واحدة فقط، فإن الطفل يستنتج بأن الكلمة المنطوقة التي لا يعرف معناها تشير إلى الشيء المجهول اسمه وهكذا، فمثلا إذا وضعت أمام الطفل تفاحة وكرة وخلاط وهو لا يعرف إلا الاسمين الأولين فإنه يستطيع تحديد اسم الشيء الجديد وهو الخلاط[18]، وهي نفس القدرة التي ادعاها “كامينسكي” بخصوص “ريكو” فقد أشار إلى أن نسبة نجاح المحاولات ودقتها بلغت 39 بالمائة من أصل أربعين محاولة.

في سنة 2011 قام كل من “بيلي ورايد Pilley and Ried” بنشر نتائج أبحاث جديدة في هذا المجال حول أنثى كلب من نفس نوع “ريكو” سمياها “شايسر Chaser” للتأكد من صحة الانتقادات التي وجهت للتجربة السابقة، خلال هذه التجربة قام الباحثان بشراء مئات الألعاب والكرات والأقراص، كل قطعة كانت مميزة ومختلفة عن الأخرى، وقاما بكتابة أسماء عليها، قاما بتدريبها خلال ثلاث سنوات لمدة أربع إلى خمس ساعات في اليوم، إلى أن تعلمت 1022 اسما من هذه الألعاب، وقد بلغت نسبة نجاحها عندما يطلب منها إحضار لعبة من بين ثمان لعب 92 بالمائة.[19]

خلافا لروكي يرى الباحثان بأن “شايسر” تستطيع الاستجابة لثلاث طلبات مختلفة تهم نفس الموضوع أو الشيء، وليس فقط أحضر هذه اللعبة أو تلك، وهي “خذ والمس بمخالبك، أو ادفع بأنفك” عند استعمالها مع اسم إحدى اللعب، كما تستطيع أن تفهم بأن الاسم يمكن أن يشير إلى مجموعة من الأشياء، فمثلا شيء واحد يمكن أن يشار إليه كلعبة أو كرة أو باسمه المحدد[20]، كما تستطيع “شايسر” التعرف على الأشياء أيضا عن طريق الاستبعاد.

“ألكس” ببغاء من النوع الرمادي الإفريقي تم شراؤه من محل لبيع الكلاب سنة 1977، عندما كان يبلغ من العمر حوالي سنة واحدة، وقد كان محل تجارب دامت ثلاثين سنة، حتى وفاته سنة 2007[21]، أعطت هذه الأبحاث نتائج واعدة أكثر مما لوحظ في التجارب السابق ذكرها على الكلاب والقردة، فإذا كان القرد “كانزي” والكلبة “شايسر” يستطيعان فهم الأوامر والطلبات باللغة الإنجليزية، فإن “أليكس” يستطيع الجمع بين الفهم والنطق مستفيدا من قدرة الببغاوات الصوتية على التقليد بسبب امتلاكها صندوقا صوتيا يسمى “السارينكس” يماثل دور الحنجرة عند الإنسان كما أشرنا إلى ذلك سابقا، فقد أشارت الباحثة إلى أن باستطاعة “أليكس” نطق خمسين كلمة منها سبعة ألوان وخمسة أشكال، كما يستطيع التمييز بين كميات مختلفة من الشيء وتمييز الأشكال، ويمكنه الإجابة على أسئلة مختلفة حول الشيء نفسه مثل: “ما اللون؟” و “ما الشكل؟” و “ما المادة؟” و “أي لعبة؟”، لكن يجب تدريبه أولا على كل إجابة بشكل مستقل.

وحسب نفس الباحثة في مقال نشر سنة 2012، أكدت فيه بأن الببغاء “أليكس” استطاع تعلم العد من واحد إلى ثمانية، معبرا عن قدرته على التعرف على عدد العناصر، أي أن كل رقم يشير إلى مجموعة من الأشياء من نفس النوع.[22]

لقد بينت هذه التجارب السالفة الذكر بأن بعض الحيوانات تستطيع فهم واستعمال عدد من الكلمات، وأنها تستطيع تركيب الكلمات مع بعضها على شكل جمل بسيطة، والاستجابة للجمل البسيطة بشكل مناسب وصحيح في أغلب الأوقات، لكن نقطة الخلاف والجدال تظهر عند مناقشة مصدر هذه القدرات التواصلية البسيطة، هل تصدر عن نفس الميكانزم عند الحيوان والإنسان؟ وهل نملك نفس القدرات العقلية والذهنية ومن ثم اللغوية؟ أم لكل منا قدرات مختلفة وآليات تواصل تناسب هذه القدرات؟، إن كانت قدرة الببغاء والقردة والكلاب على تعلم بعض الكلمات، والجمع بينها في تراكيب بسيطة بما يشبه الجملة في لغة الإنسان، دفع الكثير من الباحثين في هذا الميدان إلى التسرع في استنتاج أن اللغة لم تعد خاصية مميزة للإنسان، بما أنهم قد نجحوا في تعليمها لغير البشر، وبالتالي فالحاجز الوحيد الذي كان يحول بين اللغة وهذه الكائنات هو توافر الظروف المناسبة والتعرض للغة من خلال العيش في بيئة غنية بها مثلما يحصل لأي طفل بشري، لكن في الحقيقة هناك عدد من العوامل التي يجب أن نأخذها في الحسبان قبل أن نصل إلى استنتاج كبير كهذا، فالمحاولات الأولى لتعليم الحيوانات اللغة والنطق من طرف “لويس Louise” وزوجها “وينثروب كيلوك Winthrop Kellogg” على القردة “جوا Gua” باءت بالفشل دون نجاح يذكر، فقد اعترف الباحثان بأن جميع محاولات جعل “جوا” تتكلم لم تحقق أي نجاح يذكر، وأنهما لا يستطيعان الجزم فيما إذا كانت تستطيع فعلا فهم ما يقال لها من كلمات، وأن كل ما تم قياسه هو استجابتها لما يقال.[23]  والذي لا يعدو كونه مجرد استجابة ميكانيكية لبعض الكلمات التي تم تعزيزها عن طريق المثير والتعزيز، أما المحاولة الثانية والتي قام بها الزوجان “هايز Hayees” فقد كان مصيرها أيضا الفشل، وأكدت أن تعليم القردة النطق مثل الإنسان  عملية مستحيلة، ذلك أن جهاز النطق عند الحيوانات يختلف اختلافا جوهريا عما لدى الأنسان كما أشار إلى ذلك “كامينسكي” في بحث نشره سنة 2005 سبق لنا الإشارة إليه من قبل.

والجدير بالذكر هنا أن أحد الفيلة والمسمى ب”كوشيك Koshik” استطاع نطق بعض الكلمات من اللغة الكورية بصورة أوضح من القردة “واشوا”، وذلك بوضع خرطومه داخل فمه لمحاكاة أعضاء النطق عند الإنسان[24]،  لكن لا يوجد أي دليل يؤكد فهمه الكلمات التي ينطقها ولا يتعدى نطقه التقليد الصوتي للبشر.

بعد فشل محاولات تعليم الحيوانات والقردة بالخصوص اللغة المنطوقة تم التركيز على لغة الإشارات كما أسلفنا الذكر، لكن هذه المحاولات أيضا لم تؤكد قدرة الحيوانات على تعلم اللغة الإنسانية، ووجهت إليها انتقادات عديدة نلخصها فيما يلي:

كما شكك “بول بلوم Paul Bloom” في مقال له نشر سنة 2004 بمجلة العلوم “science” في قدرة الكلاب على فهم ما تعلمته واعتبر أن كل ما يفعله الكلب “ريكو” كمثال هو الاستجابة لطلب عام بإحضار شيء ما من الغرفة، وليس واضحا ما إذا كان باستطاعته تعميم هذا على حالات وسياقات أخرى، فقد تساءل قائلا: ” هل يستطيع ريكو أن يبين عن معرفته بطريقة غير إحضار لعبة، وهل يستطيع أن يستجيب لأمر بأن لا يحضر شيئا تماما كما يمكن لأحدنا أن يأمر طفلا بأن لا يلمس شيئا، إلى أن تتم الإجابة عن هذه الأسئلة سنستمر في الاعتقاد بأن الأطفال يتعلمون الكلمات بينما الكلاب لا”[28].

 رغم أن القرد “كانزي” أظهر نوعا من الاختلاف في التجاوب مع ما تعلمه، إلا أنه لا يوجد دليل واضح على أن باستطاعته فهم كل كلمة تقال له، وأن استجابته في الغالب تكون لدوافع براغماتية أكثر منها بسبب الفهم والتواصل، فقد اعتبر الباحث “كليف وين K. Wynne” أن كانزي ” لم يكن بحاجة إلى فهم كل ما يقال له لإكمال العديد من الطلبات التي وجهت إليه فعلى سبيل المثال إذا طلب منه أخذ القبعة إلى الغرفة فكل ما يحتاج إليه هو الإحساس بالغرفة والقبعة ليستنتج المطلوب منه، فمن الممكن أخذ القبعة إلى الغرفة وليس العكس، وإتمام التعليمات قد يكون نتيجة إدراك بعض الكلمات فقط وليس فهم المعنى النحوي للجملة”[29].


[1]   The ape and the child, W.N Kellog, L. A Kellog, Wittlesey House, New York, 1933, p:287.

[2] Nishimura, T. (2006). Descent of the Larynx in Chimpanzees: Mosaic and Multiple-Step Evolution of the Foundations for Human Speech. In: Matsuzawa, T., Tomonaga, M., Tanaka, M. (eds) Cognitive Development in Chimpanzees. Springer, Tokyo. https://doi.org/10.1007/4-431-30248-4_5

[3]  The ape and the child, W.N Kellog, L. A Kellog, Wittlesey House, New York, 1933, p: 281.

[4]   The Ape in our house, Cathy Hayes, Harper and Brothers Publishers, New York, 1951, p:60, 108, 136.

[5] Teaching sign language to chimpanzees, R. Allen Gardner, Beatrix T. Gardner, Thomas E, Van Cantfort, state university of New York press, 1989, p:45.

[6]The Articulate Mammal: An introduction to psycholinguistics, Jean Aitchison, Routledge 2011, New York  , p:50.

[7]  Child Language Acquisition and Development, Matthew Saxton, 2nd edition, 2017, Sage Publication LTD, London , p:61.

[8] أضواء على الدراسات اللغوية المعاصرة، ص:148.

[9] The Articulate Mammal: An introduction to psycholinguistics, Jean Aitchison, Routledge 2011, New York , p :51.

[10]Child Language Acquisition and Development, Matthew Saxton, 2nd edition, 2017, Sage Publication LTD, London ,p :62.

[11] The Articulate Mammal: An introduction to psycholinguistics, Jean Aitchison, Routledge 2011, New York , p :38.

[12]  Language Comprehension in Ape and Child, E. Sue Savage Rumbaugh and al, Blackwell pub, 1993, p:45.

[13] المرجع نفسه، ص: 46.

[14]  Apes Language and The Human Mind, Sue Savage Rumbaugh, Oxford University press, p: 139.

[15] Understanding Language Acquisition, Caroline Rowland, Routledge, New York, USA, 2014, p:10.

[16]Child Language Acquisition and Development, Matthew Saxton, 2nd edition, 2017, Sage Publication LTD, London ,p :62.

[17] Word Learning in a Domestic Dog, Juliane Kaminski, Josep Call, Julia Fischer, Science 304, 1682 (2004), www.sciencemag.org/cgi/content/full/304/5677/1678/

[18]  Child Language Acquisition and Development, Matthew Saxton, 2nd edition, 2017, Sage Publication LTD,London,p :64.

[19] Border collie comprehends object names as verbal referents, John W. Pilley and Alliston K. Reid, ScienceDirect, 2011, Doi: 10.1016/j.beproc.2010.11.007.

[20]  Child Language Acquisition and Development, Matthew Saxton, 2nd edition, 2017, Sage Publication LTD, London, p:65.

[21] Cognitive and communication abilities of grey parrots, Iren. M Pepperberg, Applied Animal Behavior Science, 100, 2006, p: 77/86.

[22]  Grey parrot number acquisition: The inference of cardinal value from ordinal position on the numeral list, Irene M. Pepperberg,  Susan Carey, Cognition, 2012, https://doi.org/10.116/j.cognition.2012.07.003.

[23]  The ape and the child, W.N Kellog, L. A Kellog, Wittlesey House, New York, 1933 , p:288/289.

[24] An Asian Elephant Imitates human language, Stoeger et al. Current Biology (2012), http://dx.doi.org/10.1016/j.cub.2012.09.022.

[25]  Toward granting linguistic competence to apes: A review of Savage-Rumbaugh et al.’s Language Comprehension in Ape and Child, Mark L Sundberg, JOURNAL OF THE EXPERIMENTAL ANALYSIS OF BEHAVIOR, 1996, p: 428.

[26] Kanzi: The Ape at the brink of the human mind, Sue Savage Rumbaugh, Roger Lewin, Jhon wiley sons inc, new York, 1994, p: 49.

[27]  Can an ape create a sentence, H. S. Terrace, L. A. Petitto, R. J. Sanders, T. G. Bever , 23 November, 1979, http://science.sciencemag.org/

[28]  Can a dog learn a word, Paul Bloom, Science, July 2004, p: 196. DOI: 10.1126/science.1099899.

[29] Ape Language: a skeptical analysis of the evidence for non-human primate language, Clive Wynne, 2007, Skepdic.com.

[30]  Recent use of signs by chimpanzees in interactions with human, Esteban Rivas, Journal of comparative psychology, 2005, p:413.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *