التواصل عند الحيوانات:

من المعروف والبديهي أن الحيوانات تمتلك وسائل للتواصل فيما بينها، بعضها صوتي يعبر عن الخوف والتحذير من الخطر من أجل الهروب وبعضها لتهديد المفترسات أو المنافسين، والبعض الآخر منها مرتبط بالطعام والأكل أو التزاوج أو المواجهة والتحذير والغضب.

تستعمل الدلافين الاتصال المباشر والتلامس والحركات والأصوات من أجل التواصل مع بعضها وأحيانا مع البشر.

تستعمل الدلافين الأصوات للتواصل فيما بينها وللتعبير عن مجموعة من الرسائل والمعلومات تنقلها إلى بعضها البعض، من هذه الأصوات: الصفير والصراخ والزقزقات والنقرات… هذه الأصوات تتغير مع مرور الوقت فتزداد حدة أو تقل. تنتج الدلافين الأصوات للتواصل فيما بينها في حالات اجتماعية عديدة، فتستعملها أحيانا عند الابتعاد عن باقي الدلافين، وأحيانا عند الإحساس بالحماس والفرح أو الخوف، وبالتالي تختلف أنواع الأصوات التي تصدرها وحدتها باختلاف هذه الحالات والأوضاع ليعبر كل نوع عن حالة معينة، ويجب أن نشير هنا إلى أن هناك أنواعا من الدلافين لا تنتج صفيرا، لكنها تتواصل بإنتاج أصوات نبضية عبارة عن أصوات قصيرة يطلق عليها “نقرات”.

تطلق الدلافين الأصوات النبضية على شكل نقرات سريعة ومتتالية كإشارات تواصلية للتعبير عن الحالة المزاجية للدلفين أو تعبيرا عن الرغبة في اللعب أو الغضب أو المواجهة مع دلفين آخر، ويمكن ملاحظتها أيضا في حالات التزاوج عند تقرب الذكر من الأنثى، وأحيانا تستعملها الأم مع صغيرها حين يسيئ التصرف، وعموما فقد لوحظ بأن الدلافين تنتج أصواتا نبضية مختلفة باختلاف الحالات التي تريد التعبير عنها.[1]

يقول “ريابوف” في دراسة نشرت في مجلة الرياضيات والفيزياء ” Mathematics and Physics”: ” أن التخاطب بين اثنين من الدلافين يشبه التخاطب بين شخصين، وأن كل موجة صوتية تصدر عن دلفين مختلفة عن غيرها وهو ما يشير إلى موجة تمثل مقطعا صوتيا أو كلمة من لغة الدلافين المنطوقة”[2]

وأشارت الدراسة إلى أن التحاليل التي قام بها الباحثون في محمية “كارداغ” الطبيعية في ” فيدوسيا” في شبه جزيرة القرم أن الدلافين في حالة التواصل، يقوم دلفين بإصدار موجات صوتية أو نقرات أو صافرات، فيستمع الآخر إليه قبل أن يرد عليه.[3]

يدل ضرب الذيل مع سطح الماء عند الدلافين على معان متعددة، فأحيانا يكون عبارة عن إشارة على العدوانية، وأحيانا إشارة لبقية أفراد المجموعة على أنه قد حان الوقت لمغادرة المكان، أو قد يكون ببساطة إشارة على إثارة انتباه دلافين أخرى قريبة.

هناك أيضا إشارات مرئية تعتمد على حركة الجسد مثل جعل الدلفين جسمه على شكل “S” مثل سمك القرش، للتعبير عن الغضب والعدوانية، كما تفتح أفواهها لتحذير المفترسات أو دلافين أخرى منافسة، كما تصدر فقاعات مختلفة الأشكال إما متدفقة أو على شكل سحب أو حلقات أو فقاعة كبيرة على شكل سحابة تعبيرا عن التهديد.

لاحظ الباحثون أيضا أن حيوانات الدلفين عندما تكون متوترة أو تشعر بالتهديد، تجتمع وتقوم بمزامنة حركاتها كالقفز من الماء والغطس مرة أخرى في نفس التوقيت كإشارة على التعاون وروح المجموعة، أو للدلالة على اتجاه الطعام، ولوحظ عند أحد الأنواع من الدلافين الذكور في نهر الأمازون، حمله لأعواد وحجارة في فمه وهو يخرج من الماء لإثارة انتباه وإعجاب الأنثى من أجل التزاوج.[5]

لقد لاحظ فون فريش “”Von Frisch,R. من خلال ملاحظاته على النحل سنة 1954 والتي نال بسببها جائزة نوبل سنة 1973، أن النحلة العاملة عندما تكتشف مصدرا جيدا للرحيق تعود إلى الخلية لتنقل هذه المعلومة إلى بقية النحل بواسطة رقصة خاصة تسمى بالرقصة الاهتزازية “The waggle dance” كما هو موضح في الرسم.

تقوم نحلة العسل العاملة المكتشفة للرحيق بالرقص عموديا فوق أقراص العسل داخل الخلية بأنماط محددة لنقل المعلومة إلى بقية النحل، وتبعا لنوع الرقصة تختلف المعلومات التي تتم مشاركتها عن موقع واتجاه ونوع الغذاء المكتشف.

للنحلة نوعان من الرقصات، رقصة دائرية عندما يكون مصدر الغذاء قريبا من الخلية، ورقصة اهتزازية عندما يكون المصدر بعيدا، تتضمن الرقصة الاهتزازية حركات اهتزازية جانبية للبطن بينما تتحرك على شكل الرقم ثمانية 8 مقلوبا حول خط عمودي مركزي ومستقيم، خلال حركة النحلة عبر هذا الخط العمودي المستقيم تقوم بهز بطنها قبل الدوران يمينا أو يسارا، تشير مدة الاهتزاز إلى المسافة بين مصدر الغذاء وخلية النحل، وفي الوقت نفسه تشير الزاوية التي انطلقت منها النحلة عبر الخط العمودي أثناء الرقص وتعامده مع الشمس إلى اتجاه مصدر الغذاء.

رسم توضيحي[6]

“تستطيع النحلة بشكل عجيب تغيير زاوية رقصها لتتناسب مع تغير موقع وزاوية الشمس خلال اليوم، وبالتالي فالنحل يستطيع التواصل ونقل معلومات حول الاتجاه والمسافة التي تفصل بين مصدر الرحيق والخلية إلى بقية النحل”.[7]

تملك القردة وخاصة العليا منها مجموعة من الوسائل والأصوات والاشارات التي تتواصل بها، لذلك كانت محط اهتمام الباحثين في مجال دراسة التواصل عند الحيوانات لما يلاحظ عندها من سلوكيات تشبه ما عند البشر.

فقد لاحظ الباحثون أن القردة الجنوب إفريقية vervet monkeys لديها أنواع مختلفة من الأصوات التحذيرية التي تدل على أنواع مختلفة من الأخطار، “فصوت الصرير مثلا يستعمل للتحذير من وجود الأفعى النفاثة أو الكوبرا في الأرجاء، بينما تصدر صوتا مختلفا للإشارة إلى وجود نسر في الأجواء، وصوت التغريد للتحذير من الأسود والفهود، لكنها أحيانا تصدر أصواتا أقل حدة تدل على وجود تهديد أقل خطرا و إحساس أخف بالذعر والخوف للإشارة إلى وجود ضبع مرقط أو رجل من قبيلة الماساي الكينية”.[8]

“تستعمل قردة الشمبانزي حوالي مئة إشارة باليد للتواصل فيما بينها حول الطعام والاهتمام بالصغار والقتال والتكاثر”.[9] فعندما يريد الشمبانزي أن يرافقه قرد آخر في طريقه فإنه يحتك به بخفة ويجذبه من ذراعه محدقا فيه ومتقدما بعض الخطوات في الطريق الذي يريد أن يسلكها معه، وإذا أراد أن يعطيه شيئا مما في يده فإنه يمد يده إليه وتظهر عليه علامات الاستجداء، أما إذا أراد نداءه عن بعد فإنه يمد يده ثم يبسط كفه ويقبضها كما يفعل الإنسان.[10]

وقد توصلت باحثتان إسكوتلنديتان مؤخرا إلى نتائج مهمة حول التواصل عند القردة في دراسة نشرت بمجلة “بلوس بيولوجي Plos Biology”  من جامعة سانت أندروس، وهما “كيرستي كراهام Kirsty Graham” و “كاثرين هوباتشي Catherine Hobaiter” ، حيث قضت “كراهام Graham” ساعات عديدة في مراقبة قردة البونوبو في الكونغو الديموقراطية، بينما فعلت زميلتها الشيء نفسه مع قردة الشمبانزي في أوغندا، وتوصلتا إلى استنتاجات مهمة منها أن تسعون في المئة من الإشارات والإيماءات مشتركة بين البونوبو والشمبانزي، بينما تتشابه هذه الإشارات بين الشمبانزي وإنسان الغاب “أورانغوتان” بنحو ثمانين بالمئة.

من الإشارات التي لاحظتها “كراهام”، أنه عندما يقف أحد قردة البونوبو أمام صديقه ويحك ذراعه بشدة فإنه يطلب منه أن ينظف كل واحد منهما الآخر، وإذا مدت الأنثى ذراعها ودفعت ابنها باتجاهها فإنها إشارة على طلب تسلق ظهرها، وقد تدل بعض الإشارات على معان متعددة، فمثلا إذا رفع البونوبو ذراعه إلى الأعلى فإنها تكون إما إشارة على طلب تنظيف بعضهما البعض أو دعوة إلى التزاوج، ونفس الإشارات لوحظت عند قردة الشمبانزي والأورنغوتان.[11]

تتواصل الطيور فيما بينها بواسطة مجموعة من الوسائل منها الصوتية كأصوات التغريد والزقزقة والتحذير والإنذار، إضافة إلى إشارات مرئية تعتمد على حركات الجسد، في حالات متعددة مثل التزاوج أو البحث عن مصدر للطعام، أو لتقوية الروابط بين الأفراد، أو للتحذير من المفترسات والدفاع عن أعشاشها وحدود منطقتها من طيور منافسة، وهذه بعض الأمثلة لبعض أنواع التواصل عند بعض الطيور:

يمتلك طائر النورس مجموعة من السلوكيات التي تعبر عن الغضب والعدوانية مثل الوقوف ورفع العنق إلى أعلى ورفع الجناحين عن جسمه، كما تمتلك هذه الطيور مجموعة من الإشارات الصوتية المتنوعة للتواصل والتعبير عن مواقف مختلفة، من هذه الإشارات الصوتية صوت النداء الطويل Long Call الذي يعبر به النورس عن هويته الفردية، كما يستعمل بين الأزواج عند عودة أحدها إلى العش بعد فترة غياب، وهناك نسخة منخفضة الحدة من هذا الصوت تسمى yelp تستعمل غالبا عند اقتراب مفترس أو في حالة التزاوج وهي إشارة على الهيجان والانفعال عند الطائر، كما يستعمل هذا النوع من الطيور نداء التحذير warning call وهو نداء بسيط وواضح مختلف عن النداء السابق، إذ تنخفض حدة الصوت تدريجيا، ويكون مصحوبا بإشارات جسدية كرفع العنق والرأس وتستعمله الطيور عند التزاوج والتنافس حول الأنثى. إضافة إلى الأصوات السابقة لاحظ الباحثون أصواتا أخرى عند طائر النورس مثل صوت الإنذار Alarm Call الذي يستعمل عند رؤية مفترسات بعيدة لا تشكل خطرا لحظيا، أما إذا اقتربت هذه المفترسات فتغير هذه الطيور أصواتها إلى أصوات تحذيرية تنذر باقتراب الخطر، وصوت الاستجداء   Begging Call وتستعمله كثيرا الفراخ الصغيرة لطلب الطعام والتعبير عن الجوع وكذلك الاناث البالغة كاستجابة لصوت الذكر العائد إلى العش، إضافة إلى نداءات أخرى لا يتسع المقام لذكرها كلها.[12]

لاحظ عالم الأحياء توشيتاكا سوزوكي من جامعة الدراسات العليا للدراسات المتقدمة في اليابان أثناء عمله الميداني، أن طيور القرقف الياباني تتواصل مع بعضها بسلسلة واسعة من الأصوات، وأنها تستعمل أصواتا مركبة تجمع بين صوتين أو أكثر بطريقة تشبه جمع الإنسان بين الوحدات الصوتية لتكوين كلمات معبرة عن معنى معين.[13]

لقد لاحظ الباحث الياباني بأن هذه الطيور تصدر أصواتا معقدة ومركبة للتواصل فيما بينها، تتكون من مقاطع قسمها إلى أنماط بمسميات مختلفة مثل أ.ب.س  A.B.C و د D ، تستعمل هذه الطيور هذه الأصوات للتواصل حول عدة أشياء منها عند اكتشاف مصدر جديد للطعام، أو للتحذير من اقتراب مفترس…بين الباحث في هذه الدراسة بأن طائر القرقف الياباني يمزج بين نوعين من الأصوات أو أكثر للإشارة إلى مفترسات مختلفة، وللتأكد من هذه الملاحظات فقد سجل الباحثون عدة أصوات لهذا الطائر، ثم قاموا بتشغيلها لمعرفة رد فعلها، وركزوا على النوعين السابقين وهما ABC و D الأول يستعمله الطائر للتحذير من وجود مفترسات، وعند سماع بقية الطيور لهذا الصوت تستجيب عبر القيام بمسح للمنطقة المحيطة للتأكد من أن المكان آمن، أما الصوت الثاني فيستعمل لنداء طائر آخر من أجل القدوم، عند دمج هذين الصوتين معا، تمزج الطيور بين الاستجابتين معا، حيث تقوم أولا بمسح المنطقة بحثا عن مفترس محتمل ثم القدوم إلى مكان الطائر مصدر الصوت.[14]

تتواصل الببغاوات حول أحاسيسها في الغالب بواسطة إشارات تعتمد على حركات الجسد، وأحيانا تمزج بين الأصوات والحركات لنقل مجموعة من الإشارات إلى باقي الأفراد، وعلى الرغم من أن بعض أنواع الببغاوات تشتهر بقدرتها غير العادية على تقليد الأصوات التي تسمعها ومنها أصوات البشر، مما يجعل الكثيرين يعتقدون بأنها تستطيع الكلام والتواصل مثلنا، إلا أن الدارسين يؤكدون أن هذا التقليد الصوتي عند الببغاء أبعد ما يكون عن الكلام والتواصل الإنساني، ولا يعدو أن يكون مجرد محاكاة صوتية لما تسمعه هذه الطيور، تساعدها في ذلك البنية الفيزيولوجية التي خلقت بها، فعلى الرغم من أنها لا تمتلك حنجرة مثل البشر أعلى القصبة الهوائية، ولا حبال صوتية و لا أسنان أو شفاه، لكنها تمتلك جهازا مماثلا للحنجرة يسمى “السيرينكس Syrinx” أو الصندوق الموسيقي، يساعدها على تعديل الأصوات ومحاكاة ما تسمعه من أصوات طيور الببغاء الأخرى أو الأصوات البشرية، كما تمتلك ألسنة كبيرة مقارنة بباقي الطيور تشبه بعض الشيء لسان الإنسان يساعدها أكثر على تقليد الأصوات.

ولفهم هذه القدرة الفريدة قام باحثون دانماركيون بدراسة ميدانية في كوستاريكا للبغاء ذات الجبهة البرتقالية لمعرفة المزيد عن قدرتها على تقليد الأصوات، يقول البروفيسور “توربين دابلستين Torben Dabelsteen” وهو أحد المشاركين في الدراسة: “يتمتع الببغاء ذو الجبهة البرتقالية بنظام اتصال متطور للغاية يمكنه من تقليد نداءات الاتصال التي يطلقها الأفراد الآخرون على الفور”[15]، هذه القدرة البديعة تجعل هذا الطائر قادرا على التواصل مع فرد محدد ومعين داخل قطيع يتكون من عدة أفراد من خلال تقليد صوته، فالببغاء تعيش في قطعان شديدة الديناميكية، حيث تلتقي بالعديد من الأفراد كل يوم داخل المجموعة التي تنضم إليها أفراد جديدة بينما تغادرها أخرى، وفي هذا يقول الباحث “دابلستين”: “إن التركيب الاجتماعي المعقد للبغاء ذو الجبهة البرتقالية يعني أن الطائر يحتاج في كثير من الأحيان إلى التعامل مع العديد من الأفراد المختلفين”.[16]

إضافة إلى استعمال التقليد للتواصل مع أفراد  القطيع، تستعمل الببغاء المحاكاة الصوتية للتفاوض من أجل الانضمام إلى المجموعة، وبالتالي فإن هذه القدرة على التقليد طبيعية وهي جزء من وسائل التواصل عند هذا النوع من الطيور ولا علاقة لها بالإنسان والتواصل اللغوي البشري، يقول الباحثون في هذه الدراسة: “إن قدرة الببغاء على تقليد الكلام البشري تشكل مكافأة إضافية لحاجته الكبيرة للتواصل، تطورت هذه القدرة بطريقة طبيعية ولا علاقة لها بنا نحن البشر، إنها نتيجة للبنية الاجتماعية للبغاء التي تخلق حاجة كبيرة للتواصل مع أفراد آخرين من نفس النوع”[17].

من الواضح أن جميع  الحيوانات تقريبا تستطيع التواصل فيما بينها، بمعنى أنها تستطيع نقل معلومات إلى بعضها البعض، بواسطة مجموعة من الإشارات بعضها بصري يعتمد على حركات الجسد كالرقص والتكشير عن الأنياب وانتفاخ الجسم، وبسط الأذنين أو خفضهما، واتساع حدقة العين، وبعضها صوتي يكون على شكل أصوات تصدرها الحيوانات للتعبير عن الخوف والجوع والتحذير وغيرها كنباح الكلاب، وزئير الأسود، هذه وسائل اتصال بسيطة، وهناك أنظمة اتصال أكثر تعقيدا في مملكة الحيوانات تتوفر  أحيانا على كثير من السمات الستة عشر التي وضعها “هوكيت” للغة، خاصة عند القردة العليا وبعض الطيور، فهل يمكن وصف هذه الإشارات وأنظمة التواصل المعقدة عند هذه الحيوانات باللغة؟

يعتقد الكثيرون بأن بعض الحيوانات على الأقل تمتلك لغة ويسمون الإشارات التي تتواصل بها هذه الكائنات تجاوزا بلغة الحيوان، وهم بذلك يخلطون بين اللغة والتواصل ويستعملونهما بنفس المعنى، ولكن الحقيقة أن اللغة تختلف اختلافا جوهريا عن التواصل كما بينا ذلك سابقا، ولتحديد ما إذا كان التواصل المستعمل بين الحيوانات لغة سنعتمد تعريف “شارلز هوكيت” والسمات التي ذكرها كمميز للغة.

تتميز اللغة في نظر “شارلز هوكيت” بعدد من الصفات جمعها في ستة عشر صفة سبق ذكرها جميعا، معظم هذه الصفات مشتركة إلى حد ما مع أنظمة التواصل عند الحيوانات، وبالتالي فإن توافر هذه السمات جميعها هو ما يميز اللغة البشرية عن الأنظمة التي تتواصل بها باقي الكائنات.

سنقتصر هنا على السمات الأكثر تمييزا للغة الإنسانية ونقارنها بالتواصل عند الحيوانات، خاصة المذكورة سابقا.

نبدأ بأول هذه الصفات والسمات وهي أن اللغة قناة صوتية وسمعية Vocal-Auditory chennel، وهذا يعني أن أصوات اللغة يتم إنتاجها بواسطة أعضاء النطق ويتم استقبالها عبر جهاز السمع، من الواضح أن هذه السمة لا تقتصر على اللغة الإنسانية وأن الكثير من الحيوانات تستعمل الأصوات المنطوقة للتواصل، كما أن هذه الصفة ليست ذات أهمية كبرى فاللغة لا تكون دائما منطوقة ومسموعة كما هو الشأن بالنسبة للغة الإشارة أو لغة براين الملموسة أو اللغة المكتوبة.

إلا أن ما يمكن ملاحظته بالنسبة لهذه الصفة هو أنه رغم ما لوحظ عند الحيوانات من استعمال للأصوات المنطوقة في التواصل إلا أنها لا ترقى إلى درجة اللغة، حيث تكون غالبا عبارة عن أصوات انفعالية فطرية من النوع البسيط المباشر التي تدل على مشاعر الخوف والألم والتودد … ورغم أن بعض الحيوانات تستطيع أن تصدر أصواتا مركبة كما الحال عند طائر القرقف الياباني الذي سبق لنا ذكره، إلا أنها تبقى محدودة جدا ومحصورة في تراكيب بسيطة ودلالات ترتبط بأساسيات البقاء ولا ترقى إلى درجة اللغة البشرية.

أما الصفة الثانية والتي يعتقد أنها خاصة باللغة البشرية فهي صفة الاعتباطية Arbitrariness والتي تشير إلى أن العلاقة بين الدال والمدلول في اللغة لا تربط بينهما أية علاقة طبيعية ملموسة بل العلاقة بينهما اعتباطية كما وضح ذلك “ديسوسير” باستثناء عبارات قليلة، أما فيما يخص نظام التواصل عند الحيوانات فمن الملاحظ عموما وجود علاقة وثيقة بين الصوت أو الإشارة المستخدمة والرسالة المراد إبلاغها، إلا أن هناك حالات نادرة تكون فيها العلاقة بين الإشارة والمدلول اعتباطية منها ما لوحظ عند “طائر النورس عندما يتعرض للتهديد من طرف طيور من نفس الفصيلة، يعبر أحيانا عن استعداده للقتال بنزع بعض الأعشاب القريبة منه وكأنه يستعملها لبناء عش فيفهم الطائر الآخر الرسالة ويتراجع”[18]، فليس هناك علاقة بين نزع الأعشاب والتعبير عن الغضب والتحذير. كذلك أصوات القردة الجنوب إفريقية Vervet Monkeys التحذيرية والتي تختلف باختلاف المفترس، لأنه لا توجد علاقة واضحة بين هذه الأصوات ونوع المفترس الذي تدل عليه[19]، لكن هذه الأمثلة تبقى محدودة جدا في عالم الحيوان.

السمة الثالثة التي سنناقشها هي الدلالية Semanticity ويقصد بها أن “لغة الإنسان تستطيع أن تشير إلى أشياء محسوسة في الواقع كما يمكنها أن تشير إلى الأفعال التي يؤديها الإنسان أو غيره… وبإمكانها التعبير عن الأفكار الذهنية المجردة، بالإضافة إلى ذلك فإن باستطاعة الإنسان أن يعمم الاسم على جميع الأشياء المشابهة في الجوهر المختلفة في التفاصيل.”[20]

من الصعب تحديد توافر صفة الدلالية في أصوات وإشارات الحيوانات، فرغم أن الباحثين استطاعوا مثلا التمييز بين صيحات مختلفة تصدرها القردة الجنوب إفريقية والتي تختلف باختلاف الفريسة كما ذكرنا سابقا، فإن هذه الصيحات تشير إلى معنى عام وهو وجود خطر أو نوع الخطر، لكنها تبقى محدودة ولا تستطيع التعبير عن اتجاه الخطر أو عدد المفترسات وغيره من المعلومات، ففي ” اللغة الإنسانية آلاف الكلمات مقارنة بالعدد المحدود جدا من الإشارات الصوتية المعبرة عند الحيوانات، وبالتالي فالإنسان يستفيد من سمة الدلالية إلى أبعد الجدود مقارنة بأي حيوان.”[21]

الصفة الرابعة هي الانزياحية Displacement: وتشير ببساطة إلى قدرة الإنسان على التعبير والاشارة والتواصل حول أشياء بعيدة عن اللحظة والحاضر في الزمان والمكان، فاللغة تمكن الإنسان من التواصل حول أحداث في الماضي أو المستقبل، وكذلك الأشياء القريبة والبعيدة، بل وحتى الأشياء الخيالية التي لا وجود لها بالواقع والأشياء المجردة والأفكار… فهل تمتلك أنظمة التواصل عند الحيوانات مثل هذه الصفة؟

يصعب إيجاد صفة الانزياح في التواصل الحيواني، فالقردة الجنوب إفريقية مثلا تصدر أصوات التحذير فقط عند رؤية المفترس وبالتالي فهي تعبر عن الحاضر فقط، ولا تستطيع التواصل حول حدث في الماضي، كرؤية مفترس البارحة أو قبل ثلاث ساعات، ولعل المثال الوحيد الواضح على الانزياح عند الحيوانات هو ما اكتشفه العالم الأمريكي الحائز على جائزة نوبل “كارل فون فريش” حول تواصل النحل بواسطة الرقص لنقل معلومات حول مصدر ومكان الرحيق المكتشف وقد سبق لنا توضيح ذلك سابقا.

“وبالتالي فالنحل يستطيع نقل معلومات حول الاتجاه والمسافة الفاصلة بين الخلية ومصدر الرحيق المكتشف مع بقية النحل وهو مثال واضح على الانزياح.”[22] ” تعتبر هذه قدرة غير عادية، لكن مع ذلك يبقى هذا المثال على الانزياح عند النحل أقل بكثير مما نجده في لغة الإنسان فالنحلة لا تستطيع إعلام نحلات أخريات حول مفهوم خارج عن الاتجاه والمسافة بين الرحيق والخلية.”[23]

ننتقل الآن إلى الصفة الخامسة وهي الإنتاجية أو الإبداعية Productivity,Creativety : ونكتفي بها في المقارنة بين اللغة عند الإنسان والتواصل عند الحيوان، لقد ذكر هذه قبل “هوكيت” العالم اللساني الشهير “تشومسكي” في نظرياته اللغوية، والمقصود بهذه الصفة قدرة لغة الإنسان على الخلق والابتكار، إذ يمكن من خلال عدد محدود من الأصوات أو الفونيمات توليد مئات الآلاف من الكلمات ومن خلال هذه الكلمات يمكن توليد عدد لا محدود من الجمل والعبارات وفهما، حتى ولو لم يسبق سماعها من قبل، وبالتالي فإن اللغة تمتاز بقدرة جبارة على الخلق والابتكار عكس كل أنظمة التواصل المكتشفة عند الحيوانات، فمن خلال أنظمة التواصل التي تطرقنا إليها سابقا يتبين  بأنها تمتلك عددا محدودا جدا من الإشارات تدل على عدد محدود من المعاني والدلالات، “فالقرد الجنوب إفريقي Vervet monkey يمتلك فقط ستة وثلاثين إشارة صوتية مميزة في قاموس إشارته.”[24]

أما بالنسبة للنحل فقد أجرى “فريش” تجربة كانت نتائجها مخيبة للآمال فيما يخص صفة الابداعية عند هذه الكائنات، حاول” فريش” من خلال هذه التجربة أن يعرف ما إذا كان باستطاعة النحل نقل معان جديدة تتعلق بعلو مصدر الطعام، بعد أن وضعه في مكان عال، بينما وضع الخلية في الأسفل وجعل بضع نحلات تتعرف على هذا المصدر لتنقل المعلومة إلى بقية الخلية، لكن النحل لم يستطع العثور على هذا المصدر، رغم تلقيه المعلومات.[25] استنتج “فون فريش” من خلال هذه التجربة بأن ” النحل لا يملك كلمات تعبر عن مفهوم أعلى أو فوق في نظام تواصله، لا توجد أزهار في أعلى السحاب.”[26]

إن عدم قدرة النحل على ابتكار إشارة جديدة للتعبير عن هذا المفهوم الجديد يبين أنها تفتقر إلى صفة الإنتاجية التي تتميز بها اللغة عند الانسان.

وكانت النتائج مخيبة كذلك في التجارب التي تم إجراؤها على الدلافين[27]، والشيء نفسه ينطبق على أصوات الطيور، فرغم أن بعضها يستطيع تركيب الأصوات بما يشبه تركيب الإنسان للفونيمات على شكل كلمات كما أشرنا إلى ذلك سابقا عند طائر القرقف الياباني، لكن الباحثين ” يؤكدون أن أصوات الطيور تعبر فقط عن أشياء محددة جدا ترتبط بالتزاوج والدفاع عن حدود المنطقة.”[28]

نستخلص من كل ما سبق بأن أنظمة التواصل عند الحيوانات قد تتوفر فيها بعض الصفات التي ذكرها “هوكيت” لكنها طبعا لا ترقى إلى المستوى الذي يوجد في لغة الإنسان، فتواصل النحل قد يعبر عن الانزياحية، وأصوات القردة وحركات النورس قد تكون أحيانا اعتباطية، بينما قد تتصف أصوات طائر القرقف الياباني وبعض الطيور الأخرى بصفة Discreteness إذ تستطيع تركيب الأصوات والتمييز بينها في عملية التواصل فيما بينها. لكن وخلافا للغة الإنسان لا يوجد في مملكة الحيوانات نظام تواصل يتوفر على جميع الصفات التي ذكرها “هوكيت”، فالنحل مثلا لا يستطيع استعمال الأصوات المنطوقة ولا يستطيع ابتكار إشارات جديدة، وكذلك القردة لا تستطيع ابتكار وخلق أصوات جديدة للتعبير عن مفترسات جديدة أو حتى لتقديم معلومات دقيقة عنها، كما أنها لا تستطيع التواصل حول أحداث في الماضي أو المستقبل أو عن أفكار مجردة، ونفس الأمر ينطبق على الطيور والدلافين وغيرها، وبالتالي وإجابة على السؤال السابق، لا يمكن أن نصف أنظمة التواصل عند الحيوانات باللغة، لأنها ببساطة لا ترقى إلى درجة لغة الإنسان وتبقى أبسط منها بكثير.

إذا كانت الحيوانات تمتلك أنظمة للتواصل فيما بينها، لكنها لا ترقى إلى درجة اللغة، فربما هذا راجع إلى عدم تعرضها للغة، أو بسبب أنها لم تتح لها الفرصة لتعلم اللغة. إذا كان الأمر كذلك فهل نستطيع تعليم الحيوانات اللغة؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه في المقال الموالي.


[1] https://www.dolphincommunicationproject.org/

[2] https://www.aljazeera.net/misc/2016/9/13/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%84%D8%A7%D9%81%D9%8A%D9%86-%D8%AA%D8%AA%D8%AE%D8%A7%D8%B7%D8%A8-%D8%A8%D8%B7%D8%B1%D9%8A%D9%82%D8%A9-%D8%B4%D8%A8%D9%8A%D9%87%D8%A9-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B4%D8%B1

[3] المرجع نفسه.

[4] ويقصد بها جميع الإشارات الحركية والجسدية بما فيها الأصوات التي ليست ناتجة عن جهاز التصويت من خلال مرور الهواء عبر القصبة الهوائية والحنجرة وباقي أعضاء النطق.

[5] https://www.dolphincommunicationproject.org/

[6] The dancing bees: An account of the life and senses of the honeybee (translated by D. Ilse), von Frisch, K. (1954), London: Methuen, Figure 40: The wagging dance, p. 117.

[7] Child Language Acquisition and Development, Matthew Saxton, 2nd edition, 2017, Sage Publication LTD, London, p:59.

[8] The Articulate Mammal: An introduction to psycholinguistics, Jean Aitchison, Routledge 2011, New York, p :40

[9] Call, J and Tomasello, M. The gestural communication of apes and monkeys, Lawrence Erlbaum Associates,  2007, p:221.

[10]  علم اللغة، د. علي عبد الواحد وافي، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، ط:9، 2004، ص: 89،88.

[11]  The gestural repertoire of the wild bonobo, Kristy E, Graham, Takeshi F, Richard W. Byrne, 15/09/2016. Spigerlink.com.

[12]  Herring Gull, R.J.Pierotti, The Academy of Natural Sciences of Philadelphia, n 124, 1994.

[13]   Experimental evidence for compositional syntax in bird calls, Toshitaka N. Susuki, David W, Michael G, Article N:10986, www.nature.com

[14] المرجع السابق.

[15]  Balsby TJS, Momberg JV, Dabelsteen T (2012) Vocal Imitation in Parrots Allows Addressing of Specific Individuals in a Dynamic Communication Network. PLoS ONE 7(11): e49747. Department of Biology, University of Copenhagen, Copenhagen, Denmark. doi:10.1371/journal.pone.0049747

[16] المرجع نفسه.

[17] المرجع السابق.

[18] Child Language Acquisition and Development, Matthew Saxton, 2nd edition, 2017, Sage Publication LTD, London, p :56.

[19] Understanding Language Acquisition, Caroline Rowland, Routledge, New York, USA, 2014, p:11.

[20] أضواء على الدراسات اللغوية المعاصرة، د. نايف خرما، عالم المعرفة، العدد 9، شتنبر 1978، ص:121.

[21]Child Language Acquisition and Development, Matthew Saxton, 2nd edition, 2017, Sage Publication LTD, London, P:57.

[22] المرجع السابق، ص:59.

[23] The Articulate Mammal: An introduction to psycholinguistics, Jean Aitchison, Routledge 2011, New York, p :44.

[24] المرجع نفسه، ص:46.

[25] The Articulate Mammal: An introduction to psycholinguistics, Jean Aitchison, Routledge 2011, New York, p :124.

[26] The dancing bees: An account of the life and senses of the honeybee (translated by D. Ilse), von Frisch, K. (1954), London: Methuen, p: 139.

[27] أضواء على الدراسات اللغوية المعاصرة، د. نايف خرما، عالم المعرفة، العدد 9، شتنبر 1978، ص:125.

[28] The Articulate Mammal: An introduction to psycholinguistics, Jean Aitchison, Routledge 2011, New York, p:48.

One Response

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *