الملخص:
يهدف هذا البحث إلى توضيح الأسباب التي تجعل اللغة ملكة وخاصية إنسانية بامتياز دون باقي الكائنات الأخرى وحتى أقرب الأنواع إليه من الرئيسيات والتي تبدي مستويات عالية من الذكاء والتواصل فيما بينها، وذلك من خلال إبراز الارتباط الوثيق بين اللغة والنواحي الفيزيولوجية، وبيان الاختلافات الموجودة بين بين جهاز النطق عند الإنسان وبعض الحيوانات، ومميزات الدماغ البشري التي تسمح للطفل باكتساب هذه الوسيلة التواصلية البالغة التعقيد بكل سهولة وبشكل غير واع منذ المراحل الأولى من حياته.
الكلمات المفاتيح: اللغة، الإنسان، الدماغ، الحيوانات، الطفل
تقديم:
إن لغة الإنسان أكثر تعقيدا وتطورا من أية وسيلة تواصل تمتلكها الحيوانات، مع ذلك يتعلم الأطفال هذا النظام المعقد دون أي تعليم مكثف وموجه ودون أي مجهود واع يذكر، بينما أظهرت التجارب أن الحيوانات تجد صعوبة بالغة في فعل ذلك، رغم كل المحاولات والتداريب المكثفة التي تمت، لذلك من المشروع أن نطرح التساؤلات التالية: ما الذي يميز الإنسان ويجعل اللغة خاصية له؟ وما الذي يمتلكه الأطفال فيجعلهم مهيئين لتعلم اللغة ولا تمتلكه باقي الحيوانات؟
إن هذه الأسئلة قادت العلماء والباحثين إلى الاعتقاد بوجود دلائل بيولوجية على القدرة الفطرية لاكتساب اللغة عند الأطفال، مما دفعهم إلى البحث عن الأدلة التي تثبت ذلك، وقد توصلوا إلى نتائج مهمة نلخصها فيما يلي:
الارتباط المتبادل بين اللغة والنواحي الفيزيولوجية:
لقد لاحظ عدد من الباحثين المختصين في المجال البيولوجي بأن هناك تماثلا بين المرحلة التي يبدأ فيها الطفل الكلام وبين العوامل البيولوجية ومن أهمهم “لينبرغ Lenneberg” الذي قال: “اللغة يتم اكتسابها، إلا أن القدرة على امتلاكها واستعمالها تبدوا ملكة بيولوجية وفطرية خاصة بالإنسان”[1].
إن أول هذه العوامل هو العلاقة بين اللغة وتركيب جهازي السمع والنطق، فقد أكدت عدد من الأبحاث بأن جميع الأطفال قادرون على تمييز الأصوات البشرية بصفة عامة، إضافة إلى بعض الأصوات اللغوية بصفة خاصة مباشرة بعد الولادة باثنتي عشرة ساعة، كما يستطيع جميع الأطفال التفرقة بين الأصوات اللغوية في لغات مختلفة بعد أربعة أيام فقط من الولادة[2]، كما أن هناك فرقا واضحا في جهاز النطق عند الإنسان مقارنة بباقي الحيوانات، فالأسنان مثلا والتي تلعب دورا مهما في نطق عدد من الأصوات اللغوية مختلفة في تركيبتها عن القردة العليا، كما أن شفاه الإنسان تمتلك عضلات أكثر تطورا وتعقيدا من باقي الرئيسيات، وتجويف الفم أصغر عند الإنسان ويمكن فتحه وإغلاقه بسرعة أكبر مما يجعله أكثر ملاءمة لنطق عدد من الأصوات مثل الباء التي تتطلب حبسا للهواء. لسان الإنسان هو الآخر أكثر سمكا وعضلات ويمتاز بالمرونة عكس اللسان الطويل والنحيف عند القردة ما يساعد على نطق الأصوات الصامتة (Vowels).[3]
اختلاف آخر جوهري وهام بين جهاز النطق عند الإنسان وباقي الرئيسيات يتجلى في تموضع الحنجرة والتي تضم الحبال الصوتية، فقد اكتشف الباحثون بأن الحنجرة تتموضع بشكل دائم أسفل الحلق بينما عند الرئيسيات تتموضع أعلى الحلق، ولذلك فقد ساد الاعتقاد بأن هذا هو السبب الرئيس والجوهري الذي يحول دون قدرة القردة والرئيسيات على النطق والكلام. (انظر الشكل2[4] والشكل 3)

لكن الأبحاث الحديثة التي تعتمد على التصوير الحي بالأشعة السينية لهذه الكائنات أثناء إصدارها للأصوات أثبت مرونة الحنجرة “Larynx” عند الرئيسيات وبعض الحيوانات الأخرى من غير الرئيسيات كالكلاب والخنازير والماعز، “التي تستطيع خفض حنجرتها مؤقتا عبر عضلات أثناء التصويت، وبالتالي تحقيق شكل حنجرة يشبه الإنسان، لكن رغم ذلك فهي تستطيع إصدار أصواتها الفطرية دون الحاجة إلى ذلك، فلم يتم ملاحظة أي استفادة لأي حيوان من هذه الخاصية لغرض إصدار أصوات لغوية”[5]، وهناك حيوانات عديدة تمتلك حنجرة منخفضة بشكل دائم مثل الإنسان كالغزلان مثلا، ولعل الغرض الأساسي منها هو جعل أصواتها أعلى وأقوى. (انظر الأشكال 4و5و6)


وتجدر الإشارة هنا إلى أن الأطفال يولدون ولديهم حنجرة أقرب شبها لما نجده عند الرئيسيات من الإنسان الراشد، أي أنها تكون أعلى الحلق وليس أسفله، لكنها تتغير تدريجيا ليكتمل نموها ما بين الشهر التاسع والشهر الخامس عشر، مع بداية ظهور الأصوات الصامتة، وتنزل نحو الأسفل، كما تتحول من أحادية القناة كما عند القردة إلى ثنائية القناة كما عند البالغين، بينما تبقى على نفس الشكل عند الحيوانات[7]. (انظر الشكل7)

من كل ما سبق يتضح بأن جهاز النطق وأعضاه عند الإنسان مختلفة بشكل جوهري عن باقي الكائنات، ما يجعلها مهيأة لنطق الأصوات والتواصل باللغة المنطوقة التي تتطلب القدرة على الربط والجمع بين أصوات وفونيمات عديدة في كلمات ثم في جمل معبرة تجعل التواصل بين الأفراد عملية ممكنة، هذا فيما يتعلق بالجانب المنطوق من اللغة، لكن هذا العامل ليس هو الوحيد الفارق في امتلاك اللغة فلا شك أن هناك عوامل أخرى أكثر من أعضاء النطق تتدخل في امتلاك هذه الوسيلة المعقدة للتواصل، كما أن هناك لغة الإشارات التي لا تعتمد على الأصوات، مما يؤكد وجود خصائص مميزة في الدماغ البشري والتي ترتبط في علاقة وثيقة بأعضاء السمع والنطق، لذلك فقد ركز عدد من الدارسين على دراسة الدماغ البشري لسبر أغواره ومعرفة الأسباب الكامنة وراء تفرد الإنسان باللغة وسرعة اكتسابه لها، بتحديد الميزة البيولوجية الخاصة بدماغ الإنسان والتي لا توجد عند الحيوانات بصفة عامة والرئيسيات بصفة خاصة، فقد بين “لينبرغ Lenneberg” من خلال الأبحاث التي قام بها أن ظهور بعض العلامات الدالة على نضج الدماغ يتزامن مع ظهور السلوك اللغوي عند الأطفال، كما تبين له ” بأن الدماغ البشري ينقسم إلى شقين يرتبط أحدهما بالآخر، وقد استنتج بأن شقا الدماغ يصبحان ناضجين بما فيه الكفاية حوالي الشهر الثامن عشر، ليبدأ كل شق في التخصص والتحكم في وظائف معينة من الجسم، فعند الشخص العادي يكون الجانب الأيسر من الدماغ هو المسؤول عن التحكم في وظائف اللغة”[9] ، وهذا ما تؤكده دراسات جديدة لبعض الباحثين على الأطفال ما بين ثلاثة عشر وعشرين شهرا في مقال بعنوان “فهم اللغة: التخصص الدماغي من 13 إلى 20 شهرا” التي بينت أن استجابة الأطفال للكلمات المألوفة وغير المألوفة ما بين الشهر الثالث عشر والسابع عشر تكون موزعة عبر شقي الدماغ معا، لكن بحلول الشهر العشرين تتركز هذه الاستجابات اللغوية في النصف الأيسر من الدماغ، وهي المنطقة المرتبطة عادة بمعالجة اللغة لدى البالغين، مما يؤكد زيادة التخصص اللغوي مع نمو الأطفال خلال هذه الفترة ويتزامن مع حدوث طفرة في المفردات اللغوية عند الطفل.[10]
تؤكد هذه الدراسات التي أجريت على الدماغ أنه مهيأ (جانبيا) للغة، أي أن الجانب الأيسر من منه يقوم بمعظم الوظائف اللغوية، وبالتالي فإن حدوث أي ضرر لأجزاء معينة من هذا الجزء يؤدي إلى
الإصابة بمرض “الأفازيا” وهو مرض اضطراب اللغة، عكس الإصابة في الجزء الأيمن من الدماغ والتي لا تؤدي غالبا إلى نفس النتيجة، من ذلك يتبين بأن هناك مواضع خاصة في الدماغ تتولى مسؤولية معالجة اللغة، وتظهر نشاطا أكبر أثناء التصوير المقطعي بالرنين المغناطيسي بالتزامن مع استعمال اللغة، إحدى هذه المناطق تسمى بمنطقة “بروكا” نسبة إلى مكتشفها “بول بروكا” وأخرى تسمى منطقة “فيرنيكي” نسبة إلى مكتشفها “كارل فيرنيكي” في القرن التاسع عشر، إضافة إلى مناطق أخرى تشارك في عملية إنتاج وفهم اللغة.
ومن المثير للاهتمام هنا أن الباحثين وجدوا بأن نفس المناطق المسؤولة في الدماغ عن اللغة المنطوقة هي نفسها المسؤولة عن لغة الإشارات، رغم أن الدماغ عادة يعالج المعلومات البصرية والسمعية في مناطق أو باحات مختلفة، الأولى في الباحة السمعية والثانية في الباحة البصرية، “كما أن الدراسات التي أجريت على مرضى “الأفازيا” تبين بأن تضرر مناطق اللغة يؤدي إلى نفس الأضرار اللغوية عند المتكلمين باللغة المنطوقة والمتكلمين بلغة الإشارات، فعادة يؤدي الضرر في منطقة بروكا إلى فقدان القدرة على الكلام، بينما يؤدي الضرر في منطقة “فيرنيكي” إلى فقدان القدرة على الفهم، لكن الضرر الحقيقي في أي منهما يدمر القدرة اللغوية كلها”.[11]
وكما أشرنا إلى ذلك سابقا فإن هذه المناطق المتخصصة في معالجة اللغة (انظر الشكل 8و9) (تؤدي وظائف أخرى غير مرتبطة باللغة) لا تكون كذلك عند الأطفال منذ الولادة، بل تظهر مع نمو الطفل، وهذا يبين بأن دماغ الطفل يتميز بالمرونة وقابلية التخصص حسب التجارب التي يتعرض لها، وبالتالي فتضرر هذه المناطق عندهم يكون أقل تأثيرا على اكتساب اللغة منه عند البالغين، مما يعني تخصص مناطق أخرى من الدماغ في التحكم في الوظائف اللغوية.

لقد توصل الباحثون المهتمون بدراسة اللغة من الناحية البيولوجية ومن خلال مراقبة الدماغ أثناء استعمال اللغة من خلال تصويرة بتقنيات حديثة كالتصوير بالرنين المغناطيسي، والتصوير المقطعي بالإصدار البوزتروني، إلى نتائج أكثر دقة حول الوظائف اللغوية في الدماغ بتحديد المناطق النشطة أثناء مهام مختلفة تتطلبها عملية استعمال اللغة وفهما، فقد تم تحديد المنطقة المسؤولة عن إدراك معاني الكلمات، والمنطقة المسؤولة عن إدراك الأصوات وتفكيك الرموز الصوتية، والمنطقة التي تنشط أكثر مع الأفعال والتي تنشط مع الأسماء إلى غير ذلك. (انظر الشكلين 10 و11)[14]. كما تم اكتشاف مناطق جديدة تتدخل في وظائف اللغة، فقد نشر “بندر Binder” مقالا سنة 2017 قدم فيه أدلة تشير إلى أن منطقة “فيرنيكي” ليست مسؤولة عن فهم الكلام كما كان يعتقد بل تلعب دورا هاما في معالجة الأصوات اللغوية اللازمة لإنتاج الكلام، وأن الفهم تتدخل فيه شبكة أوسع من الدماغ مسؤولة عن معاني الكلمات وبنية الجمل.[15]


من خلال ما سبق يتبين لنا بأن الملكة اللغوية عند الإنسان والتي تتحكم في اكتسابه اللغة وامتلاكه لهذه الوسيلة التواصلية البالغة التعقيد دون باقي الحيوانات تتركز في الدماغ الذي يتحكم في مختلف الوظائف اللغوية ويوجه عملية الاكتساب اللغوي عند الأطفال منذ مراحل مبكرة من حياتهم. لكن التساؤل الذي يطرح نفسه هنا هو: ما العامل الذي يوجه مناطق معينة في الدماغ إلى التخصص في الوظائف اللغوية عند الإنسان، هذا التساؤل دفع بعض الدارسين إلى الإشارة إلى أن اكتساب اللغة مبرمج مسبقا في جيناتنا، فقد اقترح “بينكر Pinker” بأن الأطفال يولدون وهم مزودون بمعرفة وقدرة فطرية على معرفة أن اللغة تتكون من أسماء وأفعال، هذه المعرفة مبرمجة في جيناتنا وهي المسؤولة عن كيفية تشكل الدماغ حين يكون الطفل جنينا في بطن أمه[16]، وهو ما أكدته دراسة جديدة نشرت سنة 2005 بمجلة الطبيعة “Nature” اكتشف من خلالها الباحثون أحد الجينات المسؤولة عن اضطرابات النطق واللغة لدى إحدى العائلات التي تعاني من اضطراب لغوي وراثي، بحيث يؤثر هذا الجين الذي سمي ب “Foxp2” على منطقة “بروكا” في الدماغ وأيضا على الدوائر العصبية التي تربط القشرة الأمامية بمناطق التحكم الحركي الضروري للتحكم في النطق.[17]
وجود مرحلة محددة لاكتساب اللغة:
يؤكد عدد من الباحثين ومنهم “لينبرغ Lenneberg” على وجود مرحلة معينة ومحددة لاكتساب اللغة، ذلك أن الطفل إذا لم يتعرض إلى اللغة خلال هذه المرحلة بالذات فإنه يصبح من العسير إن لم نقل من المستحيل عليه اكتساب اللغة خارجها، فكما أشرنا إلى ذاك سابقا فإن هناك مناطق في الدماغ مسؤولة عن اللغة يتركز معظمها في الشق الأيسر، وكما بين “لينبرغ” فإن ” عدم تعرض الطفل للغة خلال هذه الفترة يؤدي إلى تحكم المنطقة المسؤولة عنها في وظائف أخرى وبالتالي يصبح تعلم اللغة صعبا وأقرب إلى المستحيل”[18]، وكما أشرنا إلى ذلك من قبل أيضا فإن تضرر هذه المناطق المسؤولة عن اللغة عند الأطفال لا يؤدي إلى إصابتهم بالأفازيا عكس البالغين، حيث تظهر الوظائف اللغوية مجددا بعد فترة من الوقت، ذلك أن أجزاء أخرى من الدماغ تقوم بالتحكم في وظائف اللغة، وهذا لا يحدث إلا في فترة الطفولة، وبالتالي فالطفل لا يعاني من أية مشاكل لغوية، فقد لاحظ “لينبرغ” في الحالات التي قام بدراستها بأن تضرر الشق الأيسر من الدماغ عند البالغين يؤدي في سبعين بالمائة من الحالات إلى الإصابة بالأفازيا، وتؤدي إصابة الأطفال في نفس المناطق إلى نفس النتائج، غير أن استرجاع القدرات اللغوية يكون ممكنا عندهم، ويصبح طبيعيا بعد فترة من الانتكاس، وبالتالي فإن الأشخاص الذين لم يتعلموا اللغة خلال هذه الفترة يصبحون عاجزين عن تعلمها لاحقا، كما أن الأطفال الذين أصبحوا صما قبل البدء في الكلام يعانون من نفس الصعوبة في تعلم لغة الإشارة مثل الأطفال الذين ولدوا صما، بينما يبدي الأطفال الذين فقدوا السمع ما بين ثلاث وأربع سنوات بعد تعلمهم بعض اللغة مرونة أكبر في تعلم لغة الإشارة عند تدريبهم عليها[19].
استنتاجات “لينبرغ” تؤكدها الدراسات الحديثة التي أجريت على دماغ الأطفال، فقد توصل “بايتس Bates” في دراسة حول الأمراض اللغوية عند الأطفال، إلى أن “الإصابات التي تصيب الدماغ لدى
الأطفال تكون أقل حدة في تأثيرها على الوظائف اللغوية من تلك التي تصيب البالغين وذلك بسبب المرونة العصبية التي يتميز بها دماغ الطفل وتجعله قادرا على إعادة التنظيم والتعويض عن الأضرار، مما يخفف من أثار الإصابة على اللغة، ويعطي القدرة لباحات أخرى في الدماغ على التحكم في هذه الوظيفة، لأنها لم تتخصص بعد”[20].
ورغم أنه لا يمكن التحقق من حقيقة وجود مرحلة محدد لتعلم اللغة عن طريق تجربة علمية تخضع لمعايير واضحة وذات منهج علمي مثبت، ذلك أن أخلاقيات العلم لا تسمح بإجراء تجربة يتم فيها عزل الأطفال في ظروف تمنعهم من التعرض للغة، ثم دراسة الآثار الناجمة عن ذلك لاحقا، إلا أن هناك أمثلة لبعض الحالات التي تم توثيقها لأطفال عاشوا في ظروف معزولة، ولم تتح لهم فرصة اكتساب اللغة، من هذه الحالات حالة فتاة أمريكية تسمى “جيني” التي تم اكتشافها سنة 1970، وهي تبلغ الثالثة عشر من عمرها ، وهو العمر الذي يتطابق مع نهاية الفترة المحددة لتعلم واكتساب اللغة عند “لينبرغ”، فقد كان يحتجزها والدها في ظروف قاسية وفي عزلة وصمت تام، بحيث لم تكن تعرف سوى بضع كلمات عند اكتشافها، وقد قام الباحثون بمحاولات ومجهودات كبيرة لتعليمها اللغة، إلا أن هذه المجهودات لم تحقق نتائج واعدة، فلم تتعلم “جيني” اللغة فيما عدا مجموعة من الكلمات وبعض التراكيب البسيطة[21]، وهم ما يتوافق مع فكرة “لينبرغ”، لكن هناك باحثين يشككون في هذا الاستنتاج بنا على هذه الحالة ومنهم “لينبرغ” نفسه الذي يرى أن العيش في ظروف صعبة وبشكل منعزل قد يؤثر على القدرات العقلية والنفسية للشخص وبالتالي فإن أي استنتاج يتعلق بتعلم اللغة لن يكون مثبتا بشكل كاف، كما أن المعلومات حول هذه الحالات النادرة تكون شحيحة وغير كافية.
تطور اللغة حسب جدول زمني:
لقد أثبتت الدراسات التي أجريت على اكتساب اللغة عند الأطفال أن جميعهم يكتسبون اللغة بنفس المراحل رغم اختلاف أجناسهم ولغاتهم وهذا ما جعل “لينبرغ” يتساءل عن سبب ذلك قائلا: “لماذا يبدأ الأطفال الكلام عادة ما بين الشهر الثامن عشر والشهر الثامن والعشرون؟ طبعا هذا ليس راجعا لأن جميع الأمهات حول العالم يبدأن في تدريب أطفالهن على اللغة في هذا الوقت، وليس هناك أي دليل على وجود أي تعليم أو تدريب لغوي واع يوجه للأطفال”[22]، لذلك يقترح عدد من الدارسين وجود ساعة بيولوجية توجه اكتساب اللغة عند الأطفال، فجميع الأطفال يستطيعون تمييز الأصوات الإنسانية والأصوات اللغوية مباشرة بعد الولادة بحوالي اثنا عشر ساعة كما أسلفنا الذكر في الصفحات السابقة، كما يستطيع الأطفال التقاط الفرق بين الأصوات في لغات مختلفة بعد حوالي أربعة أيام من الولادة، وجميعهم يبدؤون في إصدار أصوات المناغاة بعد أشهر من الولادة، حتى الأطفال الذين يولدون صما، ويبدأ جميع الأطفال حول العالم في استعمال اللغة سواء المنطوقة أو لغة الإشارات في حوالي السنة من العمر[23]، ويستمر تعلمهم واكتسابهم للغة بنفس المراحل تقريبا في جميع أنحاء العالم.
صفات أخرى:
من الصفات الأخرى أن السلوك المحكوم بيولوجيا يظهر قبل أن تدعو الحاجة إليه، فاكتساب اللغة عند الطفل يظهر قبل أن يحتاج إليها الطفل كوسيلة للتواصل مع الآخرين، وهو لا يزال معتمدا على أمه في رعايتها له وتوفير جميع احتياجاته، إضافة إلى أن ظهور السلوك اللغوي عند الطفل لا يأتي ولا يتم بقرار واع من الطفل وليس نتيجة لتعليم واع من الوالدين وليس نتيجة لظروف ومؤثرات خارجية.[24]
خاتمة:
من خلال ما سبق يمكن أن نستنتج بأن اللغة خاصية إنسانية تميز الإنسان عن باقي الكائنات الأخرى، وأن ما يجعلنا ننفرد باكتساب واستعمال هذه الوسيلة التواصلية البديعة والخلاقة البالغة التعقيد هو دماغنا المبرمج مسبقا، والذي يتوفر على الميكانيزمات والآليات الضرورية لمعالجة معطيات اللغة وتفكيكها واستنتاج مكوناتها وطرق تركيبها وعملها واستدماجها في بنياته الداخلية بطريقة لا واعية منذ الولادة أو حتى قبل ذلك عندما يكون جنينا في بطن أمه، وبالتالي فهي هبة إلهية خص بها الخالق الإنسان دون غيره. كل هذا يؤكد بأن امتلاك اللغة مبرمج في جيناتنا ولا يمكن لأي حيوان مهما بلغت درجة ذكائه امتلاك وسيلة تواصلية تضاهي اللغة في تعقيدها وإبداعها والتي تفتح للإنسان آفاقا غير محدودة لفهم العالم والتعبير عن أفكاره ومشاعره واكتشافاته ورغباته وتبادلها مع الآخرين.
قائمة المصادر والمراجع:
- Alison J. Elliot, Child Language, CAMBRIDGE UNIVERSITY PRESS, London, 1981.
- BRYAN KOLB & IAN Q. WHISHAW, Fundamentals of human neuropsychology, Worth Publishers, New York, 8th ed, 2021.
- Caroline Rowland, Understanding Language Acquisition, Routledge, New York, USA, 2014.
- Elizabeth Bates, Origins of language disorders, Developmental Neuropsychology, 1997.
- Eric H. Lenneberg, Biological Foundations of Language, John Wiley & Sons Inc, NEW YORK, 1967.
- Jean Aitchison, The Articulate Mammal: An introduction to psycholinguistics, Routledge, New York 2011.
- Matthew Saxton, Child Language Acquisition and Development, 2nd edition, Sage Publication LTD, London, 2017.
- Steven Pinker, The Language instinct: How the mind creates language, Harper perennial Modern classics, London, 1994.
- W. Tecumseh fitch, The Evolution of Language, Cambridge University Press, New York, 2010.
- المقالات العلمية:
- Debra L. Mills, Sharon Coffey‐Corina, Helen J. Neville, Language comprehension and cerebral specialization from 13 to 20 months, Developmental Neuropsychology, 13:3, 397-445, DOI:10.1080/87565649709540685.
- Jacob Jesch, The Morphological Evolution of the Vocal Apparatus in the Human Lineage: Implications on the Emergence of Language, Honors Theses, 2013. https://repository.lsu.edu/honors_etd/768.
- Jeffrey R. Binder, Current Controversies on Wernicke’s Area and its Role in Language, Curr Neurol Neurosci Rep (2024) 17:58. DOI 10.1007/s11910-017-0764-8.
- Poisner, Kalima and Bellugi, Language, Modality, and the brain, Elsevier Science Publishers, LTD, Uk, 1989. 0166-2236/89.
- Takeshi Nishimura, The descended larynx, and the descending larynx, Anthropological Science Vol. 126(1), 3–8, 2018.
- Vargha-Khadem, F. Gadian, D. Copp, A. et al, Foxp2 and the neuroanatomy of speech and language, Nat Rev Neurosci 6, 131-138, 2005, https://doi.org/101038/nrn1605.
- W. Tecumseh Fitch, The evolution of speech: a comparative review, Trends in Cognitive Science, July 2000, Doi:10.1016. /S1364-6613(00)01494-7.
[1]Biological Foundations of Language, Eric H. Lenneberg, John Wiley & Sons Inc, NEW YORK, 1967 , p:125.
[2]The Morphological Evolution of the Vocal Apparatus in the Human Lineage: Implications on the Emergence of Language, Jacob Jesch, Honors Theses, 2013, p:05. https://repository.lsu.edu/honors_etd/768.
[3] The Articulate Mammal: An introduction to psycholinguistics, Jean Aitchison, Routledge 2011, New York , p :42.
[4] The evolution of speech: a comparative review, W. Tecumseh Fitch, Trends in Cognitive Science, July 2000, Doi:10.1016. /S1364-6613(00)01494-7
[5] المرجع نفسه.
[6] The Evolution of Language, w. Tecumseh fitch, Cambridge University Press, New York, 2010, p: 316/318/320.
[7] The descended larynx and the descending larynx, Takeshi Nishimura, Anthropological Science Vol. 126(1), 3–8, 2018.
[8] The Morphological Evolution of the Vocal Apparatus in the Human Lineage: Implications on the Emergence of Language, Jacob Jesch, Honors Theses, 2013, p:38. https://repository.lsu.edu/honors_etd/768.
[9] Child Language, Alison J. Elliot, CAMBRIDGE UNIVERSITY PRESS, London, 1981, p:23.
[10] Language comprehension and cerebral specialization from 13 to 20 months, Debra L. Mills, Sharon Coffey‐Corina, Helen J. Neville, Developmental Neuropsychology, 13:3, 397-445, DOI:10.1080/87565649709540685.
[11] Language, Modality, and the brain, Poisner, Kalima and Bellugi, Elsevier Science Publishers, LTD, Uk, 1989. 0166-2236/89
[12] www.Mozaik3D.com/biology
[13] Fundamentals of human neuropsychology, BRYAN KOLB & IAN Q. WHISHAW, Worth Publishers, New York, 8th ed, 2021, p: 1430.
[14] المرجع نفسه ص: 1458/1470.
[15] Current Controversies on Wernicke’s Area and its Role in Language, Jeffrey R. Binder, Curr Neurol Neurosci Rep (2017) 17:58. DOI 10.1007/s11910-017-0764-8.
[16] The Language instinct: How the mind creates language, Steven Pinker, Harper perennial Modern classics, London, 1994, p:53.
[17] Foxp2 and the neuroanatomy of speech and language, Vargha-Khadem, F. Gadian, D. Copp, A. et al, Nat Rev Neurosci 6, 131-138, 2005, https://doi.org/101038/nrn1605.
[18] Biological Foundations of Language, Eric H. Lenneberg, John Wiley & Sons Inc, NEW YORK,1967, p:158.
[19] المرجع نفسه، ص: 142/145.
[20] Origins of language disorders, Elizabeth Bates, Developmental Neuropsychology, 1997, p:447/476.
[21] Child Language Acquisition and Development, Matthew Saxton, 2nd edition, 2017, Sage Publication LTD, London, p: 93.
[22] Biological Foundations of Language, Eric H. Lenneberg, John Wiley & Sons Inc, NEW YORK,1967, p:125.
[23] Understanding Language Acquisition, Caroline Rowland, Routledge, New York, USA, 2014, p:05.
[24] The Articulate Mammal: An introduction to psycholinguistics, Jean Aitchison, Routledge 2011, New York, p:60.
موضوع شيق.